الديوك التحتا: صفقات عقارية أم موطئ قدم لتفكيك (أوسلو)؟
دخول ثماني عائلات من المستوطنين إلى ثمانية منازل في منطقة الديوك التحتا غرب أريحا، تحت حماية قوات الاحتلال، ليس مجرد واقعة عقارية عابرة، بل تطور يحمل أبعاداً سياسية واستيطانية تتجاوز حدود العقارات ذاتها.
تكمن خطورة ما جرى في أن العملية لم تُقدَّم باعتبارها صفقة شراء مجردة، بل جرى الإعلان عنها بوصفها خطوة استراتيجية تتعدى البُعد العقاري لتستهدف تغيير الواقع الديمغرافي والسياسي في أريحا وتفكيك ما تبقى من مفاعيل اتفاقيات أوسلو.
وبحسب المعطيات المتداولة، قادت حركة (نحالا) الاستيطانية هذه الخطوة، بمساندة من (مجلس بنيامين الإقليمي)، وتحت حماية الجيش الإسرائيلي، بعد عملية تملّك وُصفت بالسرية في محيط عين الديوك التحتا، بالقرب من المنطقة الأثرية (قصور الحشمونائيم).
وهنا تبرز ضرورة التمييز الحاسم بين الرواية الإسرائيلية حول إتمام صفقات شراء، وبين التحقق القانوني والوطني من صحة العقود، وسلامة نقل الملكية، وهوية الأطراف البائعة. فالإعلان الإسرائيلي لا يمنح الصفقة شرعيتها، ولا يبدد الشبهات حول ظروف إبرامها والجهات المغذية لها.
من صفقة عقارية إلى مشروع سياسي
إن الأكثر دلالة في هذه الحادثة هو التصريح المنسوب لرئيس مجلس مستوطنات (بنيامين) ورئيس مجلس (يشع)، يسرائيل غانتس، الذي ربط الخطوة صراحةً بـ (تغيير الواقع السياسي وتفكيك مفاعيل اتفاقيات أوسلو).
يكشف هذا التصريح أن المسألة لا تتصل بمسكن لعائلات، بل باستغلال العقارات كأداة اختراق في مشروع استيطاني أوسع لفرض وقائع جديدة في مناطق ذات وزن استراتيجي.
فأريحا ليست موقعاً هامشياً؛ إنها بوابة الأغوار والشريان الشرقي الذي يربط شمال الضفة بجنوبها ويؤمن التواصل مع العالم الخارجي. ومن ثم، فإن زرع بؤرة استيطانية في محيطها – ولو بدأت بثمانية منازل – يمثل نقطة ارتكاز للتمدد اللاحق وقضم المزيد من الموارد والأراضي.
(أوسلو) في مرمى الاستهداف الميداني
لا ينفصل ما شهدته الديوك التحتا عن المسار المتواصل لتقويض اتفاقيات أوسلو ميدانياً، ليس عبر التوسع الهيكلي للمستوطنات فحسب، بل من خلال زراعة جيوب استيطانية محاذية للتجمعات الفلسطينية لتعطيل النمو السكاني وتحويل الوجود الاستيطاني إلى أداة ضغط جغرافي وسياسي.
والرعاية الرسمية والأمنية لهذه الخطوات تؤكد أنها ليست مبادرات فردية، بل سعي لفرض سيادة الأمر الواقع وإعادة تشكيل خريطة الضفة الغربية.
من يملك الأرض ومن يفرض السيادة؟
إن حصر المواجهة في سجال إعلامي حول صحة صفقات البيع يغفل الجوهر؛ فحتى لو استوفت تلك الوثائق أي شكليات قانونية، فإن ذلك لا يمنح الاحتلال أو الحركة الاستيطانية أي مشروعية في فرض السيادة على أرض محتلة.
فَالاستيطان بمجمله باطل وغير قانوني بموجب القانون الدولي، ولا سيما المادة (49) من اتفاقية جنيف الرابعة، وقرار مجلس الأمن (2334)، والرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية لعام 2024.
الخلاصة:
ما يحدث في الديوك التحتا هو جزء من معركة أشمل على الجغرافيا الفلسطينية ومستقبل الأغوار. وحين تعلن قيادات الاستيطان أن هدفها تفكيك مفاعيل أوسلو، فإنها تضع الجميع أمام الحقيقة دون مواربة: ثمانية منازل قد تكون مجرد بداية، لكن الخطورة الكبرى تكمن في ترك هذه الوقائع الصغرى تتراكم حتى تتحول إلى ثوابت جغرافية وسياسية يصعب تدراكها.