الضفة الغربية في حسابات اليمين الإسرائيلي: تصعيد ميداني وأهداف تتجاوز الأمن
تفتح تصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، الداعية إلى شنّ حملة عسكرية شاملة في الضفة الغربية على غرار ما جرى في قطاع غزة ولبنان، الباب أمام مرحلة جديدة من التصعيد، تتجاوز في دلالاتها الردّ على هجوم أمني إلى إعادة طرح مستقبل السلطة الفلسطينية، ومصير الاستيطان، وإمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة.
وتنبع خطورة هذه التصريحات من تزامنها مع إجراءات ميدانية إسرائيلية في الخليل، ومع خطاب سياسي يربط توسيع العمليات العسكرية بالقضاء على فكرة الدولة الفلسطينية. وهو ما يستدعي التمييز بين الوقائع المعلنة حتى الآن، والقراءة السياسية للأهداف المحتملة من وراء التصعيد، والسيناريوهات التي قد تفرضها التطورات المقبلة.
أولاً: الوقائع الميدانية والتصريحات الإسرائيلية
دعا سموتريتش إلى تنفيذ حملة عسكرية واسعة في الضفة الغربية، تشمل جمع الأسلحة وملاحقة المسلحين وتفكيك السلطة الفلسطينية، معتبراً أنّ تغيير العقيدة الأمنية الإسرائيلية بات ضرورة لمنع تكرار هجمات مماثلة لهجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر. وربط دعوته بما وصفه بإنجازات الحكومة الإسرائيلية في مجال الاستيطان، وبموقفه الرافض لإقامة دولة فلسطينية.
وجاءت هذه التصريحات عقب هجوم شمال مدينة الخليل، الذي أسفر، وفق المعلومات الواردة، عن مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة ثلاثة آخرين. وعلى إثره، أمر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بفرض حصار على الخليل، ووجّه الجيش والأجهزة الأمنية إلى الاستعداد لإغلاق شامل للضفة الغربية، بالتزامن مع تعزيز القوات وتنفيذ حملات اعتقال واسعة.
ووفق المعطيات المعلنة، تعلّق القرار الفوري بالحصار على الخليل، فيما بقي إغلاق بقية الضفة في إطار الاستعداد، من دون إعلان بدء تطبيقه بصورة شاملة. كذلك، لم تتضمن التصريحات الواردة تأكيداً لاتخاذ قرار نهائي بتنفيذ حملة عسكرية واسعة على مستوى الضفة بأكملها.
هذه هي الوقائع المعلنة؛ أما طبيعة المرحلة المقبلة وأهدافها السياسية المحتملة، فتبقى موضع تحليل يرتبط بما ستكشفه الإجراءات الإسرائيلية اللاحقة.
ثانياً: التحليل السياسي — ما وراء التهديد العسكري
لا يمكن قراءة دعوة سموتريتش بمعزل عن مشروعه الاستيطاني وموقفه المعلن من الدولة الفلسطينية. فالجمع بين توسيع العمليات العسكرية، وتفكيك السلطة، ورفض قيام دولة مستقلة، يشير إلى توجه يتجاوز المعالجة الأمنية المباشرة نحو إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني.
وتكمن أهمية هذا الربط في أنّ العمليات العسكرية، إذا اقترنت بتوسيع الاستيطان وتشديد القيود على الحركة، قد تسهم في تعميق التجزئة الجغرافية للضفة الغربية، وإضعاف التواصل بين المدن والقرى، وزيادة صعوبة بناء كيان فلسطيني متصل وقابل للحياة.
ولا يعني ذلك أنّ قراراً إسرائيلياً نهائياً قد اتُّخذ لتنفيذ هذا السيناريو، لكنّ الخطاب المعلن يوفر مؤشراً على طبيعة الأهداف التي يدفع باتجاهها تيار مؤثر داخل الحكومة الإسرائيلية. فحين يصبح رفض الدولة الفلسطينية جزءاً صريحاً من مبررات التصعيد، لا يعود ممكناً التعامل مع التهديد بوصفه مسألة أمنية منفصلة عن الصراع على الأرض والسيادة.
كما أنّ استحضار نموذج العمليات في غزة ولبنان يثير مخاوف من توسيع نطاق استخدام القوة في الضفة، وإن كانت طبيعة الميدان الفلسطيني وظروفه تختلف عن الجبهتين. فالتشابه هنا لا يعني بالضرورة تكرار العمليات نفسها، بل يشير إلى احتمال تبنّي نهج عسكري أكثر اتساعاً، بالتوازي مع فرض قيود مشددة على السكان.
تفكيك السلطة ومخاطر الفراغ
تشكّل الدعوة إلى تفكيك السلطة الفلسطينية بُعداً سياسياً بالغ الأهمية؛ إذ إنّ استهداف مؤسساتها قد يفضي إلى إضعاف قدرتها على إدارة الشؤون المدنية وتقديم الخدمات، من دون وجود بديل واضح قادر على تحمل مسؤولياتها.
وفي ظل استمرار الاحتلال وغياب أفق سياسي جدي، قد يؤدي تقويض هذه المؤسسات إلى زيادة الاضطراب الإداري والأمني، وتفاقم الأعباء على السكان، بدلاً من تحقيق الاستقرار المعلن. كما قد يفتح المجال أمام ترتيبات ميدانية جديدة تعزز السيطرة الإسرائيلية وتقلّص قدرة الفلسطينيين على إدارة شؤونهم.
وعليه، فإنّ السؤال لا يتعلق فقط بما إذا كانت إسرائيل ستوسّع عمليتها العسكرية، بل بما إذا كانت ستوظف التصعيد لإضعاف البنية السياسية الفلسطينية وفرض معادلات جديدة تتجاوز مدة أي عملية عسكرية.
ثالثاً: المدنيون في مواجهة التداعيات الإنسانية
تظلّ الكلفة الإنسانية لأي تصعيد واسع من أكثر الجوانب إلحاحاً، خصوصاً إذا تحولت إجراءات الحصار والإغلاق إلى سياسة ممتدة تشمل مناطق متعددة من الضفة الغربية.
فإغلاق الطرق والحواجز، وتقييد الحركة بين المدن والقرى، وتكثيف الاقتحامات والاعتقالات، قد تعطل وصول المرضى إلى المستشفيات، وتعرقل وصول الطلبة إلى مدارسهم والعمال إلى أماكن عملهم، وتؤثر في وصول السلع والمواد الأساسية. كما يمكن أن تتسبب القيود الممتدة في خسائر اقتصادية إضافية للأسر والتجار والعمال، في ظل أوضاع معيشية صعبة أصلاً.
أما إذا توسعت العمليات العسكرية، فقد ترتفع مخاطر إصابة المدنيين وتضرر المنازل والممتلكات، إلى جانب النزوح المؤقت أو القسري من المناطق التي تشهد مواجهات، وتعطل الخدمات الأساسية. وهذه مخاطر محتملة تستدعي الاستعداد لها، وليست نتائج مؤكدة لمجرد صدور التهديدات.
وتفرض هذه المعطيات ضرورة حماية المدنيين، وضمان وصول الخدمات الطبية والإنسانية، ورفض العقوبات الجماعية، والالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني. كما تستدعي تحركاً دولياً لا يقتصر على الدعوة إلى التهدئة، بل يركز على منع اتساع الأضرار وضمان المساءلة عن الانتهاكات.
فالمدنيون ليسوا طرفاً في الحسابات العسكرية، ولا يجوز أن تتحول حياتهم واحتياجاتهم الأساسية إلى أدوات ضغط في المواجهة السياسية والأمنية.
رابعاً: السيناريوهات المحتملة للتصعيد
في ضوء المعطيات المتاحة، يمكن تحديد ثلاثة مسارات رئيسية للمرحلة المقبلة:
* التصعيد التدريجي: عبر تكثيف الاقتحامات والاعتقالات وتشديد الحواجز والإغلاقات، مع استمرار العمليات في مناطق محددة، بما يرفع الضغط على السكان من دون الانتقال الفوري إلى حملة شاملة.
* توسيع العمليات العسكرية: من خلال تنفيذ حملات متزامنة في عدة مدن ومخيمات، إذا قررت الحكومة الإسرائيلية تحويل التهديدات إلى عملية واسعة النطاق.
* التصعيد المركّب: عبر الجمع بين العمليات العسكرية والقيود الاقتصادية والحركية وتوسيع الاستيطان وإضعاف المؤسسات الفلسطينية، بما يترك آثاراً طويلة الأمد على الواقع السياسي والجغرافي.
وتبقى هذه السيناريوهات احتمالات تحليلية، لا قرارات مؤكدة. وسيكون تحديد المسار الأقرب مرتبطاً بالتطورات الميدانية، وحجم الانتشار العسكري، ومدى تطبيق الإغلاقات، وطبيعة القرارات الحكومية الإسرائيلية خلال الفترة المقبلة.
خامساً: الموقف الفلسطيني المطلوب
تفرض خطورة المرحلة على القيادة والقوى السياسية الفلسطينية الانتقال من الاكتفاء بردود الفعل إلى بلورة موقف وطني موحد يجمع بين التحرك السياسي وحماية المجتمع وتعزيز الصمود. فالتحدي لا يقتصر على مواجهة احتمال التصعيد العسكري، بل يشمل منع استغلاله لتكريس الاستيطان أو تقويض المؤسسات الفلسطينية أو فرض وقائع تمسّ مستقبل الدولة الفلسطينية.
ويقتضي ذلك توحيد الخطاب والجهد الوطني، وتحديد أولويات واضحة لحماية المواطنين والتجمعات المهددة، وضمان استمرارية الخدمات العامة، وتعزيز قدرة الهيئات المحلية والمؤسسات المدنية على التعامل مع آثار الإغلاقات والاقتحامات. كما تبرز أهمية إعداد خطط طوارئ صحية وإنسانية واقتصادية، بما يضمن وصول المساعدات إلى الفئات الأكثر تضرراً ويحدّ من انعكاسات التصعيد على الحياة اليومية.
وعلى الصعيد الدولي، ينبغي تكثيف التحرك الدبلوماسي والقانوني، وتوثيق الانتهاكات بصورة مهنية، ومطالبة الأطراف الدولية بتحمل مسؤولياتها في حماية المدنيين ووقف الاستيطان ومنع العقوبات الجماعية. ولا بد أن يستند هذا التحرك إلى خطاب سياسي واضح يربط الاستقرار بإنهاء الاحتلال وضمان الحقوق الوطنية الفلسطينية، لا بإدارة الصراع أو فرض حلول أمنية دائمة على حساب تلك الحقوق.
كما أنّ تجاوز الانقسام واستعادة وحدة الموقف والقرار الوطني يمثلان شرطاً أساسياً لتعزيز القدرة على مواجهة الضغوط. فغياب رؤية فلسطينية مشتركة يضعف التأثير السياسي ويمنح الجانب الإسرائيلي مساحة أوسع لفرض أولوياته، بينما يشكّل الاتفاق على برنامج وطني جامع أساساً لحماية المصالح الفلسطينية وتثبيت الحقوق على الأرض وفي المحافل الدولية.
خاتمة
تكشف تصريحات سموتريتش عن تصعيد يحمل أبعاداً أمنية وسياسية متداخلة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من توظيف القوة العسكرية لتوسيع السيطرة والاستيطان وإضعاف مقومات الدولة الفلسطينية.
ورغم أنّ شنّ حملة شاملة لم يتأكد بعد وفق الوقائع المعلنة، فإنّ التعامل مع هذه التهديدات يتطلب استعداداً فلسطينياً سياسياً وإنسانياً، وتحركاً دولياً فاعلاً يمنع تحويلها إلى إجراءات دائمة. فالمعيار الحقيقي للمرحلة المقبلة لن يكون حجم العمليات وحده، بل ما ستتركه من آثار على حياة الفلسطينيين، وعلى الأرض، وعلى فرص تحقيق الحرية والاستقلال.