الأمن القومي الإسرائيلي... عندما يصبح السلام شرطاً للأمن
منذ قيام دولة إسرائيل، أصبح الأمن القومي أحد أكثر المفاهيم حضوراً في خطابها السياسي والعسكري. حتى أصبح الأمن مدخلاً لتبرير كثير من السياسات، وباسم الأمن جرى بناء جيش قوي، وتم تطوير منظومات دفاع متقدمة، وإقامة الجدران والحواجز، والاحتفاظ بمواقع استراتيجية، ورفض الانسحاب من أراضٍ محتلة بحجة أن التخلي عنها قد يعرّض أمن إسرائيل للخطر. وبمرور الوقت، تحوّل الأمن من حاجة طبيعية لأي دولة إلى مفهوم واسع يمكن أن يُستدعى لتبرير استمرار واقع سياسي وعسكري قائم. ومع ذلك، فإن داخل إسرائيل نفسها وداخل المؤسسة السياسية والأمنية والفكرية اليهودية أصواتاً مهمة لم تنظر إلى الأمن باعتباره مرادفاً دائماً للقوة والسيطرة، بل رأت أن استمرار الصراع ذاته يمكن أن يتحول إلى تهديد للأمن الإسرائيلي، وأن السلام ليس تنازلاً عن الأمن، وإنما أحد أهم شروطه.
ولعل أبرز من يجسد هذه الفكرة إسحاق رابين. الذي لم يكن كاتباً أو ناشط سلام جاء من خارج المؤسسة الإسرائيلية، بل كان جنرالاً ورئيساً لأركان الجيش الإسرائيلي، ثم وزيراً للدفاع ورئيساً للوزراء. ومع ذلك وصل إلى قناعة بأن استمرار الصراع العربي الإسرائيلي لا يخدم الأمن الإسرائيلي. وتكمن أهمية هذه القناعة في أنها صدرت عن رجل خبر الحرب والقرار الأمني من داخل المؤسسة الإسرائيلية لا من خارجها، فقد قال بوضوح إن السلام عنصر مهم لضمان أمن دولة إسرائيل. ولم تكن هذه مجرد عبارة عابرة في خطاب سياسي؛ فقد قال في الكنيست إن السلام ليس خياراً تكتيكياً، وإنما هدف استراتيجي. وفي خطابه في أوسلو سنة 1994، تحدث عن تصميمه على مواصلة طريق السلام، باعتباره نعمة لإسرائيل ولأطفالها ولجيرانها. لذلك هنا تكمن أهمية رابين في النقاش حول الأمن القومي الإسرائيلي: الرجل الذي أمضى 27 سنة جندياً لم يصل إلى السلام من موقع الضعف. لقد أدرك أن امتلاك القوة قد يكون ضرورياً للدفاع، لكنه لا يكفي وحده لصناعة مستقبل آمن.
هذه ليست رؤية رابين وحده فشمعون بيريز، الذي جاء أيضاً من قلب المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية، انتقل إلى رؤية تجعل السلام أساساً لإعادة بناء الشرق الأوسط. وفي حديث له سنة 1993، دعا إلى الاستفادة من التجربة الأوروبية في بناء اقتصاد إقليمي جديد، معتبراً أن التخلص من سباق التسلح والمقاطعة والأعباء الأمنية يمكن أن يفتح الطريق أمام منطقة أكثر إنتاجاً واستقراراً. وبذلك لم يكن السلام عند بيريز مجرد تسوية سياسية مع الخصوم، بل مدخلاً إلى بيئة إقليمية يرى أنها يمكن أن تخفف مصادر التهديد وتوسع دائرة المصالح المشتركة. وهذه الفكرة تعيدنا إلى النقاش الذي دار في المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية سنة 2014، عندما كان وزير الخارجية الأميركي جون كيري يعمل على بلورة إطار لاتفاق سلام نهائي بين الإسرائيليين والفلسطينيين يتضمن ترتيبات أمنية مرتبطة بقيام الدولة الفلسطينية. كان بنيامين نتنياهو ينظر إلى المسألة من زاوية قد تترتب عليها انسحاب إسرائيل من أجزاء من الضفة الغربية. بينما كان كيري يدفع باتجاه رؤية تعتبر أن الترتيبات الأمنية ينبغي أن تكون جزءاً من تسوية سياسية تنهي الصراع.
الفارق هنا ليس تفصيلاً تفاوضياً بين نتنياهو وكيري؛ بل اختلاف في فلسفة الأمن. فإذا أصبح كل انسحاب خطراً، وكل دولة فلسطينية تهديداً، فإن الأمن يتحول إلى مبرر لاستمرار السيطرة إلى أجل غير مسمى. أما إذا أصبح السلام نفسه جزءاً من منظومة الأمن، فإن التسوية السياسية تتحول من عبء على الأمن إلى استثمار استراتيجي فيه. أما على المستوى الثقافي والفكري، اكتسبت مقولة عدد من المثقفين الإسرائيليين المناهضين لمنطق الاحتلال أهمية خاصة، ومن بينهم الكاتب الإسرائيلي عاموس عوز، الذي انتقد مراراً تحويل الأمن إلى ذريعة دائمة لاستمرار السيطرة. فقد كان عاموس عوز أحد أكثر الأصوات الإسرائيلية وضوحاً في الدعوة إلى إقامة تسوية سياسية مع الفلسطينيين. والفكرة التي تُنسب إليه في هذا السياق شديدة الدلالة: أن الخطر الحقيقي على إسرائيل لا يأتي بالضرورة من كون الدول العربية تضعها على رأس أجندتها، بل إن استمرار الصراع هو الذي يبقي إسرائيل في حالة بحث دائم عن عدو وتهديد.
وفي هذا التصور يصبح الأمن مرتبطاً أيضاً بقدرة إسرائيل على الخروج من دائرة الصراع الدائم، لا بمجرد قدرتها على إدارة هذه الدائرة عسكرياً. وقد نُسب إلى عوز في إحدى مداخلاته الفكرية سنة 1996 لخّص جوهر أوسلو في صيغة تقوم على إنهاء السيطرة الإسرائيلية على الفلسطينيين مقابل الاعتراف المتبادل وإنهاء العنف. ومن هنا تتسع دائرة الفكرة: عسكري مثل رابين، وسياسي أمني مثل بيريز، وكاتب مثل عوز، ودبلوماسي أميركي مثل كيري، ينطلق كل منهم من خلفية مختلفة، لكنهم يلتقون عند نقطة أساسية: الأمن الإسرائيلي لا يمكن أن يستند إلى القوة العسكرية وحدها، ولا يمكن فصل الأمن عن طبيعة العلاقة مع الفلسطينيين والعالم العربي. فالدولة قد تستطيع أن تردع خصماً، لكنها لا تستطيع أن تردع إلى الأبد كل جيل جديد من الغضب. كما إن استمرار الاحتلال لا يوفر لإسرائيل أمناً نهائياً، وإنما يؤجل الصراع ويعيد إنتاجه بأشكال مختلفة. فكل جيل فلسطيني يولد في ظل الاحتلال يحمل معه تجربة جديدة من الألم والحرمان، وكلما غابت التسوية السياسية، بقيت البيئة قابلة لإنتاج موجات جديدة من العنف والمواجهة.
ومن منظور أمني بحت، فإن بقاء هذه البيئة دون أفق سياسي لا يلغي مصادر التهديد، بل يتركها قابلة للتجدد. ولذلك فإن الحديث عن الأمن الإسرائيلي بعيداً عن مستقبل الشعب الفلسطيني يظل حديثاً ناقصاً، فلا يمكن فصل أمن إسرائيل عن أمن الفلسطينيين، كما لا يمكن بناء أمن فلسطيني حقيقي في ظل استمرار الاحتلال. فالأمن المستدام في هذه الجغرافيا لا يمكن أن يكون أمن طرف على حساب الطرف الآخر، وإنما ينبغي أن يتحول إلى مفهوم للأمن المشترك، قائم على الحقوق والالتزامات المتبادلة. فإسرائيل تستطيع أن تمنع قيام واقع فلسطيني مستقل لفترة من الزمن، لكنها لا تستطيع إلغاء حقيقة وجود شعب فلسطيني له حقوق وطنية وسياسية. وهنا تظهر المفارقة الكبرى: كلما أصبح الاحتلال هو الوسيلة الدائمة لتحقيق الأمن، أصبح الاحتلال نفسه أحد أسباب استمرار انعدام الأمن. أما الأمن الناتج عن السلام، فيمكن أن يتحول تدريجياً إلى علاقات ومصالح واتفاقات وضمانات متبادلة.
ومن هنا فإن إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة ومسؤولية ومؤسسات قوية ليست تهديداً بالضرورة للأمن الإسرائيلي، بل يمكن أن تكون عنصراً من عناصره وجزءاً من إعادة تعريف الأمن في المنطقة كلها، إذا جاءت ضمن تسوية سياسية شاملة وترتيبات أمنية واضحة وضمانات دولية وإقليمية. لقد كان رابين حريصاً على أمن إسرائيل، ولم يكن يرى في السلام إلغاءً للقوة العسكرية. بل كان يعتقد أن إسرائيل يجب أن تحتفظ بقدرتها الدفاعية، لكن هذه القوة ينبغي أن تخدم هدفاً استراتيجياً أوسع هو الوصول إلى سلام آمن. ومن هنا فإن المعادلة الأكثر عقلانية ليست: الأمن أو السلام. بل: الأمن من خلال السلام. وهذه ليست معادلة تلغي ضرورات القوة والردع، وإنما تعيد وضعهما داخل هدف سياسي أوسع يمنع تحولهما إلى غاية قائمة بذاتها. ولا يمكن أن يتحول هذا المفهوم إلى واقع ما لم يقترن بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة ضمن تسوية سياسية تضمن أمن الطرفين وحقوقهما.
لذلك فإن أعظم تحول يمكن أن يحدث في مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي هو الانتقال من أمن يقوم على السيطرة إلى أمن يقوم على الاستقرار، ومن أمن يحتاج إلى استمرار الصراع إلى أمن يجعل السلام نفسه جزءاً من منظومته. لقد أثبت التاريخ أن الحرب يمكن أن تنتهي بانتصار عسكري، لكنها لا تنتهي بالضرورة بانتهاء أسبابها. أما السلام الحقيقي، فإنه لا يكتفي بإيقاف الحرب، بل يحاول إزالة الأسباب التي تجعل الحرب ممكنة من جديد. وفي النهاية، ربما تكون الفكرة الأكثر عمقاً التي يمكن استخلاصها من تجربة رابين وبيريز وعوز، ومن الرؤية التي حاول كيري الدفع بها، هي أن إسرائيل لن تحقق أمناً دائماً بمجرد أن تصبح أقوى من خصومها، وإنما عندما يصبح وجودها في المنطقة مرتبطاً بعلاقات سلام واستقرار مع جيرانها. وهنا يصبح السلام خياراً استراتيجياً، وأحد أهم أصول الأمن القومي الإسرائيلي.