خلعوا الدروع.. ولم تخلعهم الحرب
يوميات صحفي يطارده الصدى
توقفت المدافع، سكنت الطائرات، وقيل لنا إن الحرب وضعت أوزارها وعلينا أن نعود إلى "حياة طبيعية". لكن، كيف لجسدٍ أُجبر على العيش في حالة تأهب قصوى لثلاث سنوات متواصلة أن يهدأ بقرار سياسي أو ببيان وقف إطلاق النار؟
الحقيقة التي لا يعرفها من لم يرتدِ سترة الصحافة في الميدان، هي أن الحرب لا تنتهي برحيل الطائرات، بل تنتقل بكامل عتادها وضجيجها لتستوطن تفاصيلنا الصغيرة، وتتحول من معركة على الأرض إلى معركة شعورية شرسة داخلنا.
الصدى الذي يترجم الأصوات إلى قصف
اليوم، نجد أنفسنا ضحايا لأبسط الأصوات المحيطة بنا. إغلاق باب بقوة، صوت دراجة نارية عابرة، أو حتى سقوط جسم معدني على الأرض؛ كلها أصوات بريئة في نظر الآخرين، لكنها في أجهزتنا العصبية تترجم فوراً إلى صاعق تفجير. في أجزاء من الثانية، يرتد الجسد إلى الخلف، يتسارع النبض، ويهرع العقل إلى مكان الصوت مستشعراً هلع "القصف" المتوقع.
إنها ليست مجرد "خضة" عابرة، بل هي استجابة جسدية مشوهة لواقع عشناه، حيث كان الفارق بين الصوت والموت مجرد ثانية واحدة. مشاعرنا باتت أسرع منا، تسبق وعينا وتغرقنا في نوبة ذعر، قبل أن ندرك أننا في أمان.. أو هكذا يُفترض.
متلازمة "الدرع والخوذة": الصديق اللدود
على مدار ثلاثة أعوام، لم يكن الدرع الأزرق والخوذة الثقيلة مجرد أدوات حماية؛ لقد كانا جلداً ثانياً، حاجزاً يفصل بين الحياة والموت، وشاهداً صامتاً على كل المجازر التي وثقناها. كان هذا الوزن الثقيل الجاثم على صدورنا ورؤوسنا يمنحنا شعوراً واهماً بالأمان في عالم ينهار.
والآن، بعد أن قيل لنا "اخلعوا الدروع"، نجد أنفسنا نعيش عُراةً من الأمان. إزالة الدرع لم تجلب الراحة، بل جلبت شعوراً بالانكشاف الرهيب، والضعف أمام المجهول.
"بات هذا الدرع ينام بجواري، أتحسسه في عتمة الليل كأنه جزء من جسدي. في أي لحظة، أشعر برغبة عارمة في ارتدائه مجدداً، ليس خوفاً من شظية قادمة، بل بحثاً عن ذلك الطوق الذي اعتاد جسدي أن ينطوي داخله ليواجه الموت."
الأوجاع المؤجلة
إن ما نعيشه اليوم كصحفيين هو ضريبة "الصلابة المؤجلة". خلال السنوات الثلاث الماضية، كان ممنوعاً علينا الانهيار؛ كان علينا أن نكون متماسكين لننقل الحقيقة، لنكتب عن وجع الأطفال والأمهات والآباء. كتمنا الخوف، وحبسنا الدموع خلف العدسات.
اليوم، حين سكن الميدان، بدأت تلك الأوجاع المكبوتة تطفو على السطح، وتترجم نفسها في تصرفاتنا، ونومنا المتقطع، ونظراتنا القلقة. نحن لم ننجُ من الحرب بعد، نحن فقط بدأنا ندرك حجم الخراب الذي تركته في أرواحنا. وإلى أن يتعلم الجسد كيف ينام دون درع، وكيف يسمع صوت الريح دون أن يتوقع قذيفة، سنظل نكتب.. لعل الكتابة تطرد الصدى.