كفانا تأخرًا... التوجيه المهني ليس حفلة ختام
بعد سنوات وسنوات من حديث الجهات المحلية والدولية عن ضرورة توعية الطلبة مبكرًا بشأن التخصصات الجامعية وسوق العمل، ما زال كبار المسؤولين والجامعات والأكاديميون يقعون في الخطأ ذاته: إرشاد الطالب قبل أسبوعين فقط من موسم القبول الجامعي، في الفترة التي تعقب مباشرة امتحان الثانوية العامة. وهذا، ببساطة، خطأ جسيم يتكرر عامًا بعد عام دون مساءلة حقيقية.
أرحّب بمبادرة "مؤتمر الجامعات لطلبة الثانوية العامة"، وأحيّي القائمين عليها، فالطلبة بحاجة فعلًا إلى التعرف على الجامعات والتخصصات وسوق العمل. لكن لدي ملاحظة جوهرية لا يمكن السكوت عنها: التوقيت خاطئ من أساسه.
فبعد انتهاء امتحانات الثانوية العامة، وقبل إعلان النتائج، يكون الطالب قد خرج للتو من مرحلة طويلة من الضغط النفسي، ويعيش حالة من القلق والترقب، فهل هذا هو الوقت المناسب لاتخاذ قرار مصيري يحدد مستقبله الأكاديمي والمهني؟ الإجابة الصادقة: لا. نطلب من طالب منهك، قلق، منشغل بانتظار رقم على شاشة، أن يحسم خلال أيام معدودة ما كان يجب أن يُبنى على مدى سنوات.
التوجيه مسار، لا فعالية ليوم واحد
التوجيه المهني والأكاديمي يجب ألا يكون فعالية تُقام في نهاية المرحلة المدرسية، بل مسارًا تربويًا متكاملًا يبدأ منذ الصفوف الثانوية، وربما قبل ذلك، بحيث يتعرف الطلبة تدريجيًا إلى التخصصات الجامعية، والتعليم التقني والمهني، وكليات المجتمع، واحتياجات سوق العمل، ومتطلبات كل مهنة. عندها فقط يصل الطالب إلى نهاية المدرسة وهو يحمل رؤية واضحة، لا قرارًا مرتجلًا تحت وطأة الإرهاق والقلق.
وهذا المسار لا يكتمل من دون أولياء الأمور، فهم شركاء أساسيون في اتخاذ القرار، ولا يجوز إقصاؤهم عن العملية أو الاكتفاء بإشراكهم في يوم واحد. كما يجب أن يكون للمدرسة، والمؤسسات الشبابية، والقطاع الخاص، دور مستمر وممنهج في بناء الوعي المهني لدى الطلبة على مدار سنوات الدراسة، لا في لحظة عابرة بعد الامتحان الأخير.
الثمن الذي ندفعه من جيب الاقتصاد والشباب
للأسف، ما زلنا نتعامل مع الاختيار المهني كردّ فعل في اللحظة الأخيرة، بدل أن نبنيه على سنوات من الإرشاد والتخطيط. ولو استثمرنا في التوجيه المبكر داخل المدارس، لساعدنا آلاف الشباب على اختيار مسارات تناسب قدراتهم واحتياجات الاقتصاد، ولخففنا من معدلات البطالة والالتحاق بتخصصات مشبعة لا يحتاجها سوق العمل أصلًا. كل طالب يختار تخصصًا خطأً تحت الضغط هو كلفة مستقبلية على الفرد وعلى الاقتصاد الوطني معًا: سنوات دراسة، وربما هجرة أدمغة، أو بطالة مقنّعة، أو ندمًا يلازم صاحبه طويلًا.
الاستثمار الحقيقي يبدأ من الصف، لا من قاعة المؤتمر
الاستثمار الحقيقي لا يبدأ بعد التخرج، ولا حتى بعد امتحان الثانوية، بل يبدأ داخل المدرسة، عندما نساعد الطالب على اكتشاف نفسه، وفهم سوق العمل، واتخاذ قراره بثقة ووعي، لا بارتباك وترقّب.
لذلك، أدعو صناع القرار في وزارة التربية والتعليم العالي، والجامعات، والقطاع الخاص، إلى إعادة النظر جذريًا في فلسفة هذه المؤتمرات: أن تُنظَّم على مراحل خلال العام الدراسي بأكمله، لا في يوم واحد بعد انتهاء الامتحانات، وأن تشمل زيارات ميدانية للجامعات والكليات التقنية، واختبارات علمية لقياس الميول المهنية، ولقاءات مباشرة مع خريجين وأرباب عمل يشاركون تجاربهم الحقيقية من سوق العمل.
كفانا تأخرًا. الطالب الذي أمضى اثني عشر عامًا في مقاعد الدراسة يستحق أن يُرشَد على مدى تلك السنوات، لا أن يُمنَح أسبوعين قبل أن يوقّع على مستقبله.