جدلية التوافق والتأجيل.. هل أصبحت حوارات القاهرة بوابة لتعطيل الانتخابات؟
يظهر من خلال النقاشات الليلية في الحلقات السياسية أن السيد الرئيس محمود عباس يتجه نحو تأجيل الانتخابات، برضى ودعم من أحزاب وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية التي ستجتمع غدًا السبت، وكذلك من قبل الفصائل الدينية وذلك لأسباب عدة، ومنها منع الإسرائيليين لجنة الانتخابات المركزية من الوصول إلى غزة والقدس، ووجود ما يسمى بالتوافق الوطني بين حركتي فتح وحماس على تمديد الفترة التحضيرية وتأجيل الاقتراع مدة عام، لإفساح المجال أمام الحوار الوطني الشامل الذي يعيد بناء المؤسسات الفلسطينية على أسس ديمقراطية وتوافقية. كل هذه الأخبار جاءت من حوارات القاهرة، حيث صرّح السيد محمد الهندي، نائب الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي، التي لا تشارك في الانتخابات، بأن لقاءات القاهرة أدت إلى اتفاق على تأجيل الانتخابات الفلسطينية المقررة في 28 تشرين الثاني القادم.
أعتقد أن السؤال الرئيسي الذي علينا طرحه هو: «هل هناك أسباب حقيقية وجوهرية تستدعي تأجيل الانتخابات مدة عام؟ وهل هناك أفق وخارطة طريق وموعد محدد تم الاتفاق عليه لتحقيق الوحدة الوطنية خلال عام؟ أم أن حركتي فتح وحماس ليستا جاهزتين لخوض الانتخابات؟ ولماذا لم يُذكر موضوع القدس سببًا لتأجيل الانتخابات، لا سيما أن السيد الرئيس محمود عباس، عندما أصدر المرسوم رقم 12 لعام 2021 الخاص بتأجيل الانتخابات في ذلك العام، جعل السبب الرئيسي لذلك، كما ورد في المرسوم الرئاسي، «منع الجانب الإسرائيلي إجراء الانتخابات في القدس العاصمة»؟»
لا أريد الخوض في أهمية تأجيل الانتخابات أو أهمية الحوارات والوحدة الوطنية، لأن قضية الوحدة الوطنية أصبحت قضية مستهلكة، لا تعني شيئًا للمواطن الفلسطيني، الذي يشكل الأغلبية ممن لا يذكرون الانقسام، ولا علاقة لهم به، وليسوا مستعدين للاستماع إلى كل ما يجري من حوارات هنا وهناك؛ لأنهم يدركون أنهم مهمشون، ويعانون من الجوع نتيجة تعطلهم عن العمل بسبب الأوضاع الكارثية التي يعيشها شعبنا نتيجة العدوان الإسرائيلي، الذي جاء نتيجة لسوء إدارتنا نحن الفلسطينيين للصراع مع دولة الاحتلال.
فالسياسة كالفيزياء لا تترك فراغًا. فالانقسام السياسي، بعد الانقلاب أو الحسم أو سموه كما تشاؤون عام 2007، خلق فراغًا كبيرًا جاذبًا لدولة الاحتلال، التي استغلت الفرصة واستطاعت ونجحت في ملئه، مما أدى إلى السيطرة الكاملة على كل شبر من فلسطين المحتلة عام 1967. فهذه الأغلبية من الشباب، من عمر 18 إلى 39 عامًا، تشكل اكثر من 50% من الناخبين، كما جاء في إحصائيات لجنة الانتخابات المركزية. أما الآخرون ممن هم دون 18 عامًا فيشكلون على الأقل 43% من شعبنا الفلسطيني حسب جهاز الاحصاء الفلسطيني، حيث تتحكم الأقلية بمصير القضية الفلسطينية، والتي تشارك في الحوارات في القاهرة، وتزف لنا أمس اتفاقًا وطنيًا كبيرًا يقضي بتأجيل الانتخابات! عجبًا لهذا! عشرون عامًا يتفاوضون ويتحاورون ولم يتفقوا، وفي الأمس اتفقوا فقط على تأجيل الانتخابات! فهل تأجيل الانتخابات مدخل للوحدة الوطنية؟ أعتقد أن الإجابة «لا» كبيرة، فالسبب الحقيقي لعدم إنجاز الوحدة الوطنية يكمن في أن المفاوضين هم من شاركوا في الانقسام، فكيف لمن خلق المشكلة أن يحلها؟
هذا يذكّرنا بعالم الفيزياء أينشتاين، الذي لم يضع النظرية النسبية فقط، بل كان له رأي أيضًا في السياسة؛ فهو الذي قال: «من خلق المشكلة لا يحلها». وهذا يعني أننا لا نستطيع حل المشكلات المستعصية بالعقلية نفسها التي أوجدتها، أو بطريقة التفكير نفسها التي استخدمناها عندما تسببنا بها، أو بالاشخاص انفسهم. فالاستمرار في اتباع الأساليب نفسها التي سببت المشكلة لن يؤدي إلى أي حل، وهذا يتطلب تغييرًا في العقلية وطريقة التفكير والفكر والأيديولوجيا والآليات أيضًا. فهل تغيرت عقلية المحاورين والمفاوضين؟ وهل تطورت طريقة تفكيرهم؟ وهل تبدلت أساليب عملهم؟ وهل تغيرت نظرتهم إلى الأزمة والصراع الداخلي؟ وهل تغيرت نظرة كل طرف إلى الآخر؟ آمل أن تكون الإجابة «نعم»، حتى نثبت لعالم الفيزياء أينشتاين أنه مخطئ، وأننا على صواب!
إن تأجيل العملية الانتخابية أو إلغاءها ستكون له تداعيات سلبية جدًا، سواء على الساحة الدولية، والاقليمية، وبشكل خاص على الساحة المحلية. فتأثير ذلك على الساحة المحلية سيخلق انطباعًا بأن الانتخابات في ذهن القيادات، ليست استحقاقًا وطنيًا ولا ديمقراطيًا ولا دستوريًا، وبالتالي سينتزع ما تبقى من ثقة بهذه الزعامات. وستبقى الساحة المحلية تعاني الأزمات نفسها، وسيبقى الاحتلال يسير على السياسات نفسها، وسيبقى الأمريكيون مرتاحين إلى السياقات نفسها، وسيبقى الأوروبيون مستريحين من أي استحقاقات. والأهم من ذلك أن الانقسام سيبقى، بل سيتعزز، لأن تأجيل الانتخابات أو إلغاءها يعني منع الشعب من تحقيق وحدة الوطن؛ فهو الوحيد القادر على تحقيق الوحدة الوطنية عبر صناديق الاقتراع، لا عبر التصريحات والتأجيلات والشعارات التي تطلقها أفواه الزعامات.
أعتقد أن هذا التأجيل لم يأتِ مفاجئًا للقطاع الشبابي الذي يمثل الأغلبية، والذي لم يمارس حقه في انتخاب ممثليه منذ 20 عامًا. وقد طالب جزء كبير جدًا من هذا القطاع بالانتخابات الرئاسية والتشريعية منذ سنوات، ونزل هذا القطاع إلى الشارع الفلسطيني بحملته المعروفة «بدنا انتخابات» قبل المرسوم الرئاسي الذي دعا إلى الانتخابات وحدد موعدها وبعده. وعندما كان يُطرح على هؤلاء الشباب والشابات في الشارع، خلال حملاتهم الميدانية والإعلامية، السؤال التالي: «لماذا تطالبون بالانتخابات وهناك موعد لها؟»، كان جوابهم موحدًا: «نطالب بالانتخابات حتى لا يتم إلغاؤها كما حصل عام 2021». فقد نزلوا إلى الشارع لحماية الموعد الذي حدده السيد الرئيس. وغدًا ستجتمع الزعامات لرفع توصية للرئيس بتأجيل هذه الانتخابات، وسيقوم الرئيس بدوره غدًا السبت أو بعد غد الاحد بإصدار مرسوم رئاسي جديد يلغي فيه الانتخابات التشريعية. وسيكون هذا المرسوم بمثابة شهادة وفاة لعقد الانتخابات البرلمانية في 28 تشرين الثاني القادم.
أعتقد أن هذا التأجيل أو الإلغاء لا يلغي الفكر الديمقراطي والممارسة الديمقراطية، اللذين هما من مخرجات قرن من النضال الديمقراطي الفلسطيني. فما نتمتع به مما تبقى من مبادئ ديمقراطية لم يأتِ منّةً من أحد، بل جاء نتيجة طبيعية لنضالات قاسية ضد كافة الاحتلالات التي حكمت الشعب الفلسطيني بقوة السلاح. ومن خلق هذه الفسحة من الديمقراطية قد ورثها للأجيال الجديدة، التي لديها طريقة تفكير ومنهج حياة مختلفان؛ وبالتالي ستستمر في مبادراتها وحملاتها الميدانية تحت الشعار نفسه: «بدنا انتخابات»، أو ربما يتغير إلى «بدنا ديمقراطية»، وقد يكون أيضًا: «كفى اعتداءً على الديمقراطية». أنا شخصيًا، بصفتي قادمًا من الميدان، وبصفتي أعيش مع قطاع الشباب، لست متشائمًا؛ لأني أعرف قوة وإرادة وعنفوان الشباب الذين يدركون أن العمليات الانتخابية جزء أصيل من الديمقراطية، ويعون تمامًا أن مصالحهم ومصالح وطنهم تقتضي الديمقراطية لإحداث التغيير في الأشخاص ومنهجيات العمل والتفكير، ليسيروا منسجمين مع أينشتاين لإنهاء الانقسام بين الضفة وغزة. وكذلك، يعرف هؤلاء كيف يواجهون لصوص الأغنام والزيتون من المستوطنين ومن يقف خلفهم من زعران مرجعيتهم الروحية.