حين يتحول الاقتصاد إلى سلاح: قراءة في استراتيجية إسرائيل لإعادة تشكيل الضفة الغربية"
لم تعد الضفة الغربية تعيش تحت وطأة الاحتلال بمفهومه التقليدي القائم على السيطرة العسكرية فحسب، بل دخلت مرحلة أكثر تعقيداً، تقوم على إدارة الصراع عبر إعادة تشكيل البيئة السياسية والاقتصادية والاجتماعية بما يخدم أهدافاً استراتيجية بعيدة المدى. فالمشهد الراهن لا يمكن قراءته باعتباره سلسلة إجراءات أمنية متفرقة، بل باعتباره سياسة متراكمة تهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، تجعل الوجود الفلسطيني أكثر هشاشة، وتُعيد رسم الخريطة الديموغرافية والجغرافية بصورة تدريجية.
في الأشهر الأخيرة، برزت مؤشرات على تشديد القيود المفروضة على حركة الأفراد والبضائع، وتعطيل سلاسل الإمداد، والتأثير في النشاط الاقتصادي الفلسطيني، وهو ما انعكس على توافر بعض السلع والخدمات ورفع كلفة المعيشة. وتؤدي هذه الإجراءات، إلى جانب استمرار القيود على الحركة، إلى إضعاف قدرة المجتمع الفلسطيني على الصمود، وإلى استنزاف البنية الاقتصادية والاجتماعية التي تشكل أساس الثبات على الأرض.
ولا تبدو هذه التطورات منفصلة عن المشروع السياسي للحكومة الإسرائيلية الحالية، التي تضم قوى تدعو علناً إلى توسيع الاستيطان وتعزيز السيطرة الإسرائيلية على أجزاء واسعة من الضفة الغربية. وفي هذا السياق، يمكن فهم الإجراءات الميدانية باعتبارها أدوات لإعادة تشكيل الواقع، بما يقلل من فرص أي تسوية سياسية مستقبلية تقوم على إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية مستقلة.
إن أخطر ما يميز هذه المرحلة هو الانتقال من مفهوم التهجير القسري المباشر إلى التهجير متعدد الأدوات؛ وهو نمط يعتمد على تراكم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والإدارية والأمنية، بحيث يصبح البقاء في الأرض أكثر صعوبة مع مرور الوقت. وبدلاً من استخدام القوة العسكرية وحدها، تُستخدم منظومة متكاملة من السياسات التي قد تدفع السكان إلى مغادرة مناطقهم نتيجة تدهور الظروف المعيشية، فيما يصفه عدد من الباحثين بـ”البيئة الطاردة للسكان”.
فالسيطرة على الأرض لم تعد تتم فقط عبر الدبابات والحواجز العسكرية، بل أيضاً عبر التحكم بمفاصل الحياة اليومية؛ من حرية الحركة، إلى النشاط الاقتصادي، وصولاً إلى الخدمات الأساسية. وعندما تتحول الاحتياجات المعيشية إلى أدوات ضغط، يصبح الهدف أعمق من إدارة الواقع الأمني، ليمتد إلى إعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والجغرافي بما يخدم المشروع الاستيطاني.
ويتزامن ذلك مع تسارع الاستيطان، وتوسيع البؤر الاستيطانية، ومصادرة الأراضي، وهدم المنازل، الأمر الذي يعزز فرضية أن ما يجري لا يقتصر على إدارة أزمة أمنية، بل يهدف إلى فرض وقائع يصعب التراجع عنها مستقبلاً، وتقويض الأسس الجغرافية والسياسية لأي حل قائم على دولتين.
وفي المقابل، يحمل استمرار الضغوط الاقتصادية والإنسانية مخاطر سياسية وأمنية واسعة. فإضعاف الاقتصاد الفلسطيني، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وتعقيد الحياة اليومية، كلها عوامل تزيد من احتمالات عدم الاستقرار، وتدفع المنطقة نحو مزيد من التوتر، وهو ما يجعل المعالجة الأمنية وحدها غير قادرة على إنتاج استقرار دائم.
ومن منظور القانون الدولي، فإن اتفاقية جنيف الرابعة تؤكد حماية السكان المدنيين في الأراضي المحتلة، وتحظر العقاب الجماعي، كما تحظر النقل القسري للسكان. وإذا كانت الإجراءات المتخذة تؤدي عملياً إلى تقويض مقومات الحياة الأساسية أو إلى خلق ظروف تدفع السكان إلى مغادرة مناطقهم، فإنها تثير تساؤلات قانونية وسياسية جدية حول مدى اتساقها مع الالتزامات الدولية.
إن ما تشهده الضفة الغربية اليوم يتجاوز كونه أزمة إنسانية أو اقتصادية، فهو يعكس صراعًا على الجغرافيا والديموغرافيا والهوية السياسية. فالسيطرة على الأرض لا تتحقق فقط عبر القوة، وإنما أيضاً عبر تقليص قدرة أصحابها على البقاء فيها. وهذه المقاربة تجعل من الاقتصاد والخدمات والمعابر أدوات مؤثرة في إدارة الصراع، لا تقل أهمية عن الأدوات العسكرية.
وإذا كانت الحروب التقليدية تهدف إلى السيطرة على الأرض بالقوة العسكرية، فإن ما يجري اليوم يشير إلى نمط مختلف يعتمد على إدارة الضغوط الاقتصادية والإدارية والأمنية بصورة متزامنة لإعادة تشكيل البيئة التي يعيش فيها الفلسطينيون. وفي هذا الإطار، لا يصبح الضغط على الحياة اليومية هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لإضعاف القدرة على الصمود وخلق ظروف قد تدفع بعض السكان إلى مغادرة مناطقهم.
إن مستقبل الضفة الغربية لن تحدده التطورات الميدانية وحدها، بل أيضاً قدرة المجتمع الدولي على التعامل مع هذه التحولات باعتبارها قضية سياسية وقانونية، لا مجرد أزمة إنسانية. فالاكتفاء بإدارة تداعيات الأزمة دون معالجة أسبابها قد يسمح بترسيخ واقع جديد يصعب تغييره لاحقاً.
لقد أثبتت التجارب أن تغيير الخرائط لا يبدأ دائماً بالدبابات، بل قد يبدأ بإضعاف مقومات الحياة، وإعادة تشكيل الجغرافيا السكانية تدريجياً. ومن هنا، فإن حماية المدنيين، وضمان وصولهم إلى احتياجاتهم الأساسية، والحفاظ على وجودهم على أرضهم، ليست مجرد التزامات إنسانية، بل عناصر أساسية في حماية فرص أي تسوية سياسية عادلة ومستدامة.
وفي ضوء ذلك، تبدو المرحلة الراهنة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ الضفة الغربية. وإذا استمرت السياسات الحالية، فإنها قد تكرس واقعاً جديداً تتداخل فيه أدوات السيطرة العسكرية مع الضغوط الاقتصادية والإدارية، بما يعمق الأزمة ويعيد تشكيل المشهد السياسي والديموغرافي على المدى الطويل. ولذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في إدارة الأزمة فحسب، بل في منع تحويلها إلى وسيلة لفرض وقائع دائمة على الأرض، وصون حقوق الشعب الفلسطيني وفق مبادئ القانون الدولي وحقه في تقرير مصيره.