حين يدخل الوزير زنزانة الأسير
من حسن سلامة تبدأ العودة إلى قضية الأسرى
هناك مشاهد لا تحتاج إلى كثير من الشرح حتى تكشف ما وراءها. أسير فلسطيني يقف داخل زنزانته، مكبل اليدين وتحيط به حراسة مسلحة، ووزير إسرائيلي يقف أمامه ويقول له بوضوح: "أريد قتلك، أريد إعدامك". لم يكن ذلك مشهداً مسرباً من خلف أبواب السجن، بل مقطعاً صوره وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير ونشره بنفسه في 27 سبتمبر 2026، بعدما قال إن اللقاء جرى قبل نحو أسبوعين. هنا تبدأ الحكاية من جديد، لا من حسن سلامة وحده، وإنما من قضية الأسرى الفلسطينيين التي تراكمت فوقها سنوات طويلة من الاعتقال والعزل والمحاكمات والإجراءات الاستثنائية، حتى كاد العالم يعتاد وجود آلاف الفلسطينيين خلف القضبان باعتباره تفصيلاً ثابتاً من تفاصيل الصراع. إن دخول وزير إلى زنزانة أسير وتهديده بالقتل والإعدام، ثم تحويل المشهد إلى مادة إعلامية، يوجب ضرورة مناقشة ماذا يحدث داخل السجون الإسرائيلية، ومن يحمي الأسير من تهديد صاحب السلطة.
حسن سلامة ليس أسيراً حديث الاعتقال. فقد اعتقلته إسرائيل سنة 1996، وأصدرت بحقه حكماً بالسجن 48 مؤبداً. وأمضى نحو 14 سنة في العزل الانفرادي على فترتين، قبل أن يعاد عزله بعد بدء الحرب على غزة وحتى اليوم. وبعيداً عن الخلاف حول الأفعال التي أدين سلامة بسببها، وهي أفعال تنسب إليه إسرائيل مسؤولية المشاركة فيها، فإن وجود حكم قضائي بحقه لا يعني أن السجن يصبح منطقة خارجة عن القانون. هذه نقطة ينبغي أن تبقى واضحة عند الحديث عن الأسرى: يمكن للدولة أن تحاكم وتعاقب، لكنها لا تملك، بمجرد سلب الحرية، أن تسلب الإنسان كرامته أو أن تجعل حياته رهينة للإهانة أو التهديد أو الانتقام لعشرات السنين ولطوال فترة محكوميته. وهنا تكمن خطورة المشهد الذي ظهر فيه بن غفير. فالمسألة ليست فقط في الكلمات التي قيلت أمام حسن سلامة، وإنما في موقع قائلها. فعندما يصدر التهديد من وزير مسؤول عن جهاز أمني وإدارة السجون، فإن الكلمات تكتسب وزناً مختلفاً عن تهديد يصدر من شخص عادي. حيث يصبح السجن جزءاً من خطاب سياسي وإعلامي.
رغم إزالة الفيديو بقرار من لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية، وفرض غرامة على بن غفير وحزبه، فإن رسالة بن غفير كانت قد وصلت؛ فالمشهد الذي ظهر فيه الوزير المسؤول عن السجون واقفاً أمام أسير فلسطيني مكبل داخل زنزانته، مهدداً إياه بالقتل والإعدام، تجاوز حدود الفيديو نفسه ليعيد قضية الأسرى إلى الواجهة. فقد ربط بن غفير تهديده لسلامة بموقفه المؤيد لإعدام أسرى فلسطينيين، وقال إنه إذا تولى حقيبة الدفاع فسيسعى إلى تنفيذ أحكام الإعدام بحق من وصفهم بالقتلة. وجاء نشر الفيديو في وقت تستعد فيه إسرائيل لانتخابات عامة خلال شهر أكتوبر الحالي، لذلك فتوقيت الفيديو ومضمونه يجعلان البعد السياسي للمشهد حاضراً بوضوح. لكن حسن سلامة ليس وحده خلف أبواب السجون. فملف الأسرى أوسع بكثير من اسم أو حالة، وتظهر بيانات أممية حديثة أن آلاف الفلسطينيين محتجزين في مرافق إسرائيلية، بينهم معتقلون إداريون وأطفال ونساء، مع ورود تقارير عن التعذيب وسوء المعاملة.
اللجنة الدولية للصليب الأحمر قالت إن طواقمها لم تتمكن من زيارة المعتقلين الفلسطينيين منذ أكتوبر 2023، رغم استمرار مطالبتها بالوصول إليهم ومعرفة أوضاعهم وأماكن وجودهم. وهذه ليست مسألة سياسية فقط، بل لها أساس واضح في القانون الدولي الإنساني. فالمادة 76 من اتفاقية جنيف الرابعة تنص على أن الأشخاص المحميين المحتجزين أو المحكوم عليهم يجب أن تتوفر لهم ظروف من الغذاء والنظافة والرعاية الطبية تكفل صحتهم، كما تؤكد قواعد القانون الدولي الإنساني على المعاملة الإنسانية والحماية من العنف والترهيب والإهانة. وتوضح اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن الأشخاص المحرومين من حريتهم يظلون محميين بالقواعد التي تحظر المعاملة القاسية والمهينة وتحمي حياتهم وكرامتهم. ومن هنا يصبح الحديث عن الأسرى أوسع من المطالبة بتحسين ظروف السجن، وأعمق من الاعتراض على قرار إداري أو إجراء أمني.
القضية تتعلق بالإنسان الذي فقد حريته ولم يفقد حقه في الحياة والكرامة والرعاية الصحية والتواصل مع أسرته والحماية من العنف. حتى في أكثر القضايا إثارة للخلاف، تظل هناك حدود يفترض ألا تتجاوزها السلطة التي تملك السجن والمفتاح والسلاح. هذه التفاصيل تجعل الأسير يخرج للحظة من الأرقام والأحكام والتصنيفات، ويعود إلى صورته الأولى: إنسان له أم وزوجة وأسرة وذكريات، وله حياة توقفت خلف باب لا يملك مفتاحه. لقد اعتدنا، للأسف، أن تصلنا أخبار الأسرى في صورة أرقام: عدد المعتقلين، عدد المؤبدات، عدد سنوات العزل، عدد الإضرابات، وعدد الذين خرجوا في صفقة أو بقوا في السجون. ومع كثرة الأرقام، قد تضيع القصة الإنسانية نفسها. لكن كل رقم في هذه القضية هو إنسان، وكل زنزانة خلفها عائلة، وكل سنة في السجن تعني سنة أخرى من عمر شخص لم يعد يملك التحكم في تفاصيل حياته اليومية. إن قضية الأسرى تحتاج اليوم إلى استعادة حضورها، ليس بالشعارات وحدها، وإنما بالتوثيق والمتابعة القانونية والإعلامية والإنسانية.
أما حسن سلامة، فقد أعاد بن غفير صورته إلى المشهد، ربما لأسباب سياسية أرادها الوزير نفسه. لكن الصورة يمكن أن تُقرأ من زاوية أخرى تماماً: رجل فلسطيني يقف خلف القضبان منذ ثلاثة عقود، ووزير يقف أمامه مهدداً إياه بالموت. وبين الرجلين تختصر الصورة واحدة من أطول قضايا الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وأكثرها استمراراً: قضية الأسرى. لقد تغيّرت الحكومات، وتغيرت أسماء الوزراء، وخرج أسرى ودخل آخرون، لكن أبواب السجون بقيت مغلقة. وربما آن الأوان لأن تعود قضية الأسرى إلى الواجهة لا باعتبارها خبراً موسمياً، وإنما باعتبارها قضية إنسانية وقانونية ووطنية مستمرة، تستحق أن تُرى وتُسمع وتُوثق، وأن يبقى خلف كل اسم فيها إنسان لا يجوز أن يتحول إلى رقم، ولا أن تتحول زنزانته إلى مسرح للتهديد والاستعراض.