حين تُحارَب الكفاءات... تخسر الأمم أفضل أبنائها
ليست كل المجتمعات تتعامل مع النجاح بالطريقة نفسها؛ فبينما تجعل بعض الدول والمؤسسات والعائلات من أصحاب الكفاءة والإنجاز ركيزةً للتقدم، تنظر بيئات أخرى إليهم بعين الريبة، أو تعتبرهم منافسين ينبغي تحجيمهم بدلاً من استثمار قدراتهم. وهذه الظاهرة ليست حوادث متفرقة، بل هي نمط يتكرر بدرجات متفاوتة داخل الدول، والأحزاب، والمؤسسات العامة والخاصة، وحتى داخل العائلات. والخطر الحقيقي لا يكمن في وجود المنافسة أو الاختلاف، فهما من سنن الحياة، وإنما في تحولهما إلى ثقافة تُقصي أصحاب الكفاءة، وتُضعف فرصهم في العطاء، وتحرم المجتمع من الاستفادة من خبراتهم. ولذلك فإن الأمم والمؤسسات التي تتقدم ليست بالضرورة تلك التي تمتلك أكبر عدد من الموهوبين، وإنما تلك التي تعرف كيف تكتشفهم، وتمنحهم الفرصة، وتُحسن توظيف قدراتهم في خدمة الصالح العام. لأن نهضتها تقوم على المؤسسات لا على الأشخاص، وعلى تداول الأدوار لا على احتكارها.
غير أن الحديث عن محاربة الناجحين لا يعني أن كل من تعرض للنقد أو خسر موقعاً أو منصباً هو بالضرورة ناجح أو مظلوم؛ فالنقد الموضوعي والمنافسة الشريفة من مظاهر الصحة المؤسسية. إنما المقصود هو استهداف أصحاب الكفاءة والإنجاز بدوافع شخصية أو فئوية أو بدافع الخوف من تأثيرهم، بعيداً عن معايير العدالة والاستحقاق. ولعل من أبرز الأمثلة على هذه الظاهرة ما شهدناه في حالة أحد الأساتذة الأكاديميين، الذي عُرف بشخصيته القيادية وحضوره المجتمعي المتميز، حتى أصبح محل تقدير واحترام داخل محيطه وخارجه. فقد سخّر سنوات من عمره في خدمة عائلته، وساهم في رفع مكانتها، وجمع أبنائها، وبذل جهده بإخلاص دون انتظار مقابل. غير أن المفارقة ظهرت عندما دُفع به لخوض انتخابات داخلية في إطار العائلة؛ إذ واجه حملة منظمة انتهت بإسقاطه، في مشهد يعكس كيف يمكن أن تتحول المنافسة أحياناً إلى محاولة لإقصاء أصحاب الحضور والتأثير، بدلاً من أن تكون مناسبة لاختيار الأكفأ والاستفادة من خبراتهم.
لا تقتصر هذه الظاهرة على العائلات، بل تمتد إلى المؤسسات. فقد عرفت أحد القيادات الإدارية في إحدى الدول العربية، كان من المؤسسين الأوائل لشركة رائدة، وأسهم في إعداد اتفاقيات الامتياز مع الدولة، وتولى قيادة عدد من الإدارات منذ تأسيسها، حتى أصبح المدير الأول لكل دائرة جديدة يتم استحداثها. والأهم من ذلك أنه كان مدرسة في إعداد القيادات، إذ تخرج على يديه عدد كبير من المديرين الذين تولوا مواقع قيادية لاحقاً، وهو مؤشر واضح على أن نجاحه لم يكن فردياً، بل كان نجاحاً في صناعة القيادات وبناء المؤسسة. ومع ذلك، انتهت مسيرته بإنهاء خدماته دون ما يليق بحجم عطائه أو بما يعكس تقديراً لإسهاماته الطويلة، وهو ما يثير تساؤلاً مهماً: هل تستطيع المؤسسات أن تحافظ على كفاءاتها، أم أنها أحياناً تخسرها في اللحظة التي تكون فيها أحوج ما تكون إلى خبرتها؟ هذه الأمثلة ليست استثناءً في حياة المجتمعات، بل هي امتداد لسنن اجتماعية عرفها التاريخ، حيث كثيراً ما واجه أصحاب الرسالات والإصلاح والتميز مقاومة من محيطهم القريب قبل البعيد.
فالتاريخ يقدم لنا أعظم مثال على أن طريق الإصلاح والنجاح والريادة لم يكن يوماً مفروشاً بالورود؛ فقد واجه رسول الله ﷺ أشد صور المعارضة والإيذاء، وكان كثير منها من قومه، بل ومن أقرب الناس إليه نسباً، مما يؤكد أن مواجهة المصلحين وأصحاب الأثر ليست ظاهرة مستحدثة خاصة عندما يهدد المصالح القائمة أو يكسر المألوف. وغالباً ما تنشأ محاربة الناجحين من عدة دوافع، منها الخوف على النفوذ، أو تضارب المصالح، أو الحسد، أو رفض التغيير، أو الاعتقاد بأن بروز شخصية مؤثرة قد يقلل من مكانة الآخرين. ومع مرور الوقت تتحول هذه الدوافع إلى سلوك يضر بالمؤسسة أو العائلة أكثر مما يضر بالشخص المستهدف. وتزداد خطورة الظاهرة عندما لا تبقى مجرد تصرفات فردية، بل تتحول إلى ثقافة داخل الدولة أو المؤسسة أو الحزب أو العائلة، فيُنظر إلى أصحاب الكفاءة بوصفهم منافسين يجب تحجيمهم، لا طاقات ينبغي استثمارها. وعند هذه المرحلة تنتقل المشكلة من خلاف عابر إلى خلل في بنية التفكير وآليات اتخاذ القرار، وليس في الأشخاص وحدهم.
إن محاربة الناجحين لا تضر الفرد وحده، بل تضر المجتمع بأكمله؛ لأنها تدفع أصحاب الكفاءات إلى الانزواء أو الهجرة أو التوقف عن العطاء، فتخسر المؤسسات والدول والعائلات خبراتهم، بينما تتراجع معايير الكفاءة لصالح المجاملة أو الولاءات الضيقة. كذلك الأمم المتقدمة لم تنهض لأنها خلت من المنافسة، وإنما لأنها جعلت المنافسة قائمة على الإنجاز، لا على إسقاط الآخرين. فنجاح شخص لا ينتقص من نجاح غيره، بل قد يكون مصدر إلهام لغيره، إذا سادت ثقافة تقدير الكفاءة واحترام العمل. كما إن المجتمعات التي تكرم أصحاب المبادرات، وتحمي المبدعين، وتفتح المجال أمام أصحاب الكفاءة، هي المجتمعات الأقدر على مواجهة الأزمات وبناء المستقبل. أما المجتمعات التي تستنزف طاقاتها في الصراعات الشخصية، فإنها تؤخر تقدمها بأيديها. والقيادة الواثقة لا تخشى ظهور الكفاءات من حولها، بل تعمل على اكتشافها وإعدادها وتمكينها، لأنها تدرك أن قوة المؤسسة تقاس بعدد القادرين على القيادة فيها، لا بعدد التابعين لشخص واحد. وكثيراً ما يوجد في الصفوف الخلفية من هم أكثر علماً أو خبرة أو قدرة على الإنجاز، لكنهم لا يجدون الفرصة المناسبة لإثبات أنفسهم، فتظل طاقاتهم معطلة، وتخسرهم المؤسسة أو العائلة قبل أن يستفيد منهم المجتمع.
في النهاية، يبقى النجاح الحقيقي مرتبطاً بالإخلاص، والصبر، والاستمرار في العمل، وعدم الانشغال بالمعارك الجانبية. فالتاريخ يثبت أن أصحاب الرسالات والمشروعات الكبرى واجهوا التحديات، لكن ما بقي في ذاكرة الأمم هو أثر أعمالهم، لا أصوات من حاولوا إيقافهم، فالمجتمعات لا تتراجع لأنها تفتقر إلى الموهوبين، بل لأنها كثيراً ما تفشل في الحفاظ عليهم، فليس أخطر على أي أمة من أن يصبح النجاح سبباً للإقصاء، والكفاءة سبباً للخسارة، والإخلاص سبباً للعزلة. فالأمم لا تتقدم لأن جميع قادتها هم الأكفأ، وإنما لأنها تمتلك أنظمة تكتشف الكفاءات، وتمنحها الفرصة، وتُحسن توظيفها. أما حين يُنظر إلى كل صاحب قدرة على أنه تهديد، فإن الخاسر الحقيقي ليس الفرد، بل الدولة، والمؤسسة، والعائلة، ومستقبل الأجيال.