حين تتسع الشراكة ويضيق أفق الشريك
في المجتمعات التي أنهكتها الحروب والأزمات، لا يمكن النظر إلى التعافي بوصفه مجرد عملية لإعادة إعمار ما دمرته الحرب، بل هو مسار متكامل لإعادة بناء الإنسان، واستعادة قدرة المجتمع على المبادرة والتنظيم، وإطلاق طاقاته الفكرية والمؤسسية. وهذا المسار يحتاج إلى شراكات حقيقية تجمع المؤسسات الفاعلة حول رؤية مشتركة، وتحوّل الأفكار إلى برامج، والبرامج إلى نتائج ملموسة. ومن هنا تبرز أهمية العمل بروح الفريق، باعتباره أحد المرتكزات الأساسية في الإدارة الحديثة، حيث تتكامل الخبرات، وتتوزع المسؤوليات، وتتضافر الإمكانات. فالمؤسسة الواحدة، مهما امتلكت من خبرات أو موارد، قد تعجز عن إنجاز ما تستطيع مجموعة من المؤسسات المتكاملة تحقيقه حين تتوحد رؤيتها، وتتضح أهدافها، وتنتظم علاقاتها ضمن إطار إداري يضمن التنسيق والمساءلة وتكافؤ الأدوار.
وعندما تتوافق بعض المؤسسات الفاعلة في المجتمع على إطلاق مجموعة من المشاريع الفكرية والتنظيمية والإدارية، تسهم في تعزيز التعافي المجتمعي، فإن قيمة هذه الشراكة لا تكمن في عدد المؤسسات المشاركة فيها، بل في طبيعة المشروع الذي تحمله، ومدى قدرته على الاستجابة لاحتياجات المجتمع، وتوفير أدوات عملية تساعده على استعادة تماسكه وبناء قدراته. فالشراكة هنا ليست مجرد اتفاق بين جهات متعددة، وإنما مسؤولية مشتركة تجاه مجتمع يحتاج إلى مبادرات جادة تفتح أمامه آفاقاً جديدة. وفي مثل هذه الشراكات، لا ينبغي أن يكون عدد الشركاء مصدر قلق، ولا أن تُقاس قوة الفريق بعدد أعضائه، بل بمدى وضوح أدوارهم، والتزامهم بأهداف المشروع، وقدرتهم على تحويل التنوع المؤسسي إلى مصدر قوة. فإضافة شريك جديد قد تعني توسيع قاعدة الخبرة، وتعزيز الموارد، وفتح قنوات اتصال أوسع، وتوفير فرص إضافية لإنجاح المبادرة.
وهنا يكمن الفارق بين الشراكة بوصفها إطاراً للتكامل، والشراكة التي تتحول تدريجياً إلى ساحة للتنافس على المواقع والأدوار. فالأولى تقوم على الثقة المتبادلة، وتوزيع المسؤوليات وفق الكفاءة، واحترام الاختصاصات؛ أما الثانية فتبدأ حين يتعامل أحد الأطراف مع وجوده باعتباره امتيازاً، فتتحول الملاحظات المهنية إلى حساسيات شخصية، ويصبح الاختلاف مدخلاً للتشكيك والتوتر وإرباك مسار العمل. ومن منظور الإدارة المؤسسية، فإن نجاح الفريق لا يتطلب تطابق أعضائه في الرأي، وإنما يتطلب قدرتهم على إدارة الاختلاف ضمن قواعد واضحة. فالاختلاف قد يكون مصدراً للإبداع وتحسين القرارات، لكنه يفقد قيمته حين تحكمه الشخصنة، أو حين ينشغل بعض الشركاء بإثبات حضورهم ونفوذهم بدلاً من التركيز على النتائج التي أُنشئت الشراكة من أجلها. وعند هذه النقطة، لا تعود المشكلة مرتبطة بتباين وجهات النظر، بل بغياب النضج المؤسسي والقدرة على الفصل بين المصلحة العامة والاعتبارات الشخصية.
وتزداد حساسية المسألة عندما تتداخل الشراكات المجتمعية مع الاستقطاب السياسي والتنظيمي. فمن حق أي مؤسسة أن تحتفظ بهويتها واستقلاليتها، لكن ليس من حق أي طرف أن يحوّل الشراكة إلى أداة لفرض نفوذه على الآخرين، أو أن يجعل قربه من مراكز القوة وسيلة للتحكم في مسار المبادرة، أو أن يضع بقية الشركاء أمام معادلة غير معلنة مفادها أن قبوله هو ثمن استمرار المشروع. فالعمل المجتمعي يحتاج إلى بيئة تسمح بتعدد المرجعيات والخبرات، وتضمن استقلال القرار المهني. وعندما يشعر بعض الداعمين أو أصحاب الخبرات بأن مشاركتهم قد تُفسَّر باعتبارها اصطفافاً سياسياً أو تنظيمياً مع طرف بعينه، فقد يترددون في تقديم الدعم خشية الدخول في تجاذبات لا يريدون أن يكونوا جزءاً منها. وهكذا يمكن أن تتحول بعض الترتيبات غير المدروسة إلى عائق أمام استقطاب الكفاءات والموارد، وتخسر الشراكة فرصاً كان يمكن أن تعزز أثرها وتوسع دائرة المستفيدين منها.
وتتفاقم المشكلة عندما يتردد بعض الشركاء في معالجة الخلل خشية أن يؤدي ذلك إلى تعطيل المشروع أو تعريض علاقاتهم لضغوط. وفي هذه الحالة، قد يبدو الصمت وسيلة لحماية الشراكة، لكنه قد يتحول مع الوقت إلى عامل يكرس الاختلال داخلها. فالاستقرار المؤسسي لا يتحقق بتجنب كل خلاف، وإنما بوضع قواعد عادلة يستطيع الجميع الاحتكام إليها دون خوف أو تمييز. ومن هنا تأتي أهمية الحوكمة التشاركية، التي لا تكتفي بتحديد الأهداف العامة، بل تنظم أيضاً آليات اتخاذ القرار، وتوزيع الصلاحيات، وإدارة الموارد، وتسوية الخلافات، وتقييم الأداء. فكلما كانت هذه القواعد واضحة ومتفقاً عليها، تراجعت مساحة الاجتهادات الفردية، وأصبح من الصعب تحويل الشراكة إلى مجال للهيمنة أو فرض الأمر الواقع. كما ينبغي الاتفاق منذ البداية على شروط انضمام شركاء جدد، وطريقة معالجة الخلافات. كما ينبغي اعتماد معايير موضوعية لتقييم الأداء، وربط المسؤوليات بمخرجات محددة، وتوثيق القرارات الأساسية بما يضمن الشفافية والمساءلة.
ولا يعني ذلك أن تتحول الشراكة إلى إطار إداري جامد يخلو من المرونة، بل المقصود أن تكون المرونة محكومة بقواعد تحفظ حقوق الجميع، وأن تظل التفاهمات قابلة للتطوير دون أن تصبح مدخلاً لتغيير طبيعة المشروع أو احتكار القرار. فالإدارة الناجحة هي التي تمنح كل شريك المساحة التي تمكّنه من أداء دوره، وتربط هذه المساحة بمسؤوليته عن النتائج، وتمنع تضارب الصلاحيات وتداخل الأدوار وتغوّل أي طرف على بقية الأطراف. وفي مجتمع غزة، الذي دفع أثماناً باهظة من الحرب والدمار والنزوح، تكتسب هذه المسألة أهمية مضاعفة. فالمجتمع المنهك لا يحتاج إلى مبادرات تتنافس فيها المؤسسات على الظهور، بقدر حاجته إلى مؤسسات تتعاون على استعادة قدرته على الفعل. ولا يحتاج إلى إعادة إنتاج الانقسامات داخل المشاريع التي يُفترض أن تسهم في تجاوزهـا، بل إلى نماذج عملية تثبت أن الاختلاف يمكن أن يتحول إلى تكامل، وأن تعدد المرجعيات لا يمنع الاتفاق على الأولويات.
إن القيمة الحقيقية لأي شراكة لا تُقاس بعدد الاجتماعات، ولا بعدد المؤسسات التي تحمل اسمها، ولا بحجم الحضور الإعلامي، وإنما بقدرتها على إنتاج معرفة نافعة، وبناء قدرات مؤسسية، وتطوير أدوات العمل، وتحقيق نتائج يشعر المجتمع بأثرها. وهذه القيمة تقتضي أن يكون المشروع هو المرجعية العليا للشركاء، وأن تُقدَّم مصلحته على الاعتبارات الشخصية والتنظيمية، وأن يُحتكم في إدارة الخلافات إلى قواعد متفق عليها، لا إلى موازين النفوذ أو حسابات القوة. فالعمل بروح الفريق ليس شعاراً يُرفع عند الإعلان عن الشراكات، بل ممارسة يومية تُختبر عند توزيع المسؤوليات، واتخاذ القرارات، وظهور الاختلافات، ودخول شركاء جدد. والشريك الحقيقي هو من يدرك أن نجاح الآخرين لا ينتقص من دوره، وأن اتساع دائرة المشاركة لا يعني تراجع مكانته، وأن قوة الفريق تمنح كل عضو فيه فرصة أكبر لتحقيق أهدافه ضمن إطار المصلحة المشتركة.
أما حين تتحول الشراكة إلى اختبار للولاء، أو تصبح المشاركة مشروطة بالخضوع، أو يُستخدم النفوذ لتقييد خيارات الآخرين، فإن الخلل لا يصيب العلاقة بين الشركاء وحدهم، بل يمتد إلى المشروع نفسه، ويهدد قدرته على تحقيق الأهداف التي تأسس من أجلها. فالشراكات التي تنشأ لخدمة المجتمع مطالبة بأن تجسّد في طريقة إدارتها القيم التي تسعى إلى ترسيخها. فلا معنى للدعوة إلى بناء المؤسسات إذا كانت العلاقات داخلها تُدار بمنطق الهيمنة، ولا قيمة للحديث عن التعافي إذا أعادت المبادرات إنتاج أسباب الانقسام والتعطيل. فحين تتسع الشراكة، ينبغي أن يتسع معها أفق الشركاء، وأن تنمو الثقة بقدر ما تتعدد الأدوار، وأن يصبح نجاح الفريق هدفاً يتقدم على حسابات الأفراد والمؤسسات. فالمجتمع الذي يتطلع إلى النهوض والتعافي لا يحتاج إلى شراكات تتسع في عدد أعضائها وتضيق في قدرتها على استيعابهم، بل إلى شراكات تتسع فيها الرؤية، وتتوازن فيها المسؤوليات، وتبقى فيها المصلحة العامة هي البوصلة التي توجه الجميع.