حين تستعيد الثقافة وحدتها
ليس انعقاد المؤتمر التأسيسي لفرع الاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين في لبنان حدثاً ثقافياً عابراً، ولا مناسبة تنظيمية تضاف إلى سجل المؤتمرات، بل هو، في دلالته الأعمق، محاولة لاستعادة جزء من الروح الفلسطينية التي طالها الانقسام، وفتح نافذة جديدة في جدار التشتت الثقافي الذي امتد لسنوات طويلة، ومن بيروت، المدينة التي احتضنت جانباً مهماً من تاريخ الحركة الوطنية والثقافية الفلسطينية، تلوح إمكانية استعادة معنى غاب طويلاً، أن تكون الثقافة الفلسطينية فضاء للوحدة، لا انعكاساً للانقسام.
بعد عقود من التباعد وغياب الإطار الثقافي الجامع، يأتي مؤتمر بيروت ليحمل دلالة تتجاوز البعد التنظيمي المباشر، لأنه يفتح الطريق أمام إعادة وصل ما انقطع بين مكونات الحركة الثقافية الفلسطينية، ويعيد طرح سؤال طال انتظاره: كيف يمكن للاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين أن يستعيد دوره ومكانته، وأن يعود بيتاً جامعاً للكتاب والأدباء الفلسطينيين في الوطن والشتات؟
إن أهمية هذه الخطوة لا تكمن في انعقاد مؤتمر هنا أو تأسيس فرع هناك، وإنما في قدرتها على إطلاق مسار جديد يعيد للثقافة الفلسطينية وحدتها، وللاتحاد مكانته التاريخية، وللكلمة الفلسطينية قدرتها على أن تكون جسراً بين الفلسطينيين، لا مساحة أخرى من مساحات الانقسام.
لقد كانت الثقافة الفلسطينية، منذ البدايات الأولى لتشكل الوعي الوطني الحديث، جزءاً أصيلاً من معركة الوجود، فالاحتلال لم يستهدف الأرض وحدها، وإنما استهدف الإنسان وذاكرته وروايته ولغته، وسعى إلى اقتلاع الفلسطيني من المكان والتاريخ معاً، وفي مواجهة ذلك، لم تكن القصيدة مجرد قصيدة، ولا الرواية مجرد رواية، ولا الكتاب مجرد كتاب؛ كانت الكلمة الفلسطينية فعلاً من أفعال البقاء، وأداة لحماية الذاكرة، وإعلاناً بأن شعباً يحافظ على لغته وذاكرته وروايته لا يمكن أن يمحى.
كان الشاعر الفلسطيني يحمل فلسطين في قصيدته حين ضاقت به الجغرافيا، وكان الكاتب يستعيد في اللغة ما حاول الاحتلال اقتلاعه من المكان، وكانت الثقافة الفلسطينية، في كثير من مراحلها، واحدة من أهم المساحات التي حافظ فيها الفلسطينيون على وحدة الوعي، حتى عندما كانت السياسة عاجزة عن توفير هذه الوحدة.
ومن هنا، فإن استعادة وحدة الحركة الثقافية الفلسطينية ليست شأناً ثقافياً ضيقاً، ولا مسألة إدارية تخص مؤسسة بعينها، وإنما هي قضية وطنية تتصل بالذاكرة والهوية والرواية الفلسطينية، وبقدرة شعبنا على حماية حضوره الثقافي في مواجهة محاولات المحو والتزييف.
لقد تأسس الاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين في ظروف تاريخية لم تكن عادية، ولم يكن مجرد إطار إداري أو نقابي، بل كان جزءاً من عملية بناء الحضور الفلسطيني في الثقافة العربية والإنسانية، وقد أسهم في ترسيخ مكانة الأدب الفلسطيني، وفتح مساحات للكتاب والشعراء والمبدعين، وربط الثقافة بالمشروع الوطني، وحمل إرث أجيال من الأدباء والمثقفين الذين آمنوا بأن المعركة على فلسطين لا تخاض في الميدان السياسي وحده، وإنما تخاض أيضاً في اللغة والوعي والذاكرة.
ولهذا فإن الحديث عن المؤسسين والشهداء الذين أسهموا في بناء هذا الاتحاد ليس استدعاء عاطفياً للماضي، وإنما هو تذكير بالمسؤولية التاريخية التي تقع على عاتقنا اليوم، فأولئك الذين وضعوا اللبنات الأولى لم يكونوا يبحثون عن موقع أو امتياز، بل كانوا يبنون مؤسسة ثقافية وطنية في زمن كان فيه مجرد الحفاظ على الصوت الفلسطيني فعلاً من أفعال المقاومة.
والوفاء لهم لا يكون بتكرار الماضي أو الاكتفاء باستحضار أسمائهم في المناسبات، بل بالحفاظ على ما بنوه وتطويره، وإعادة الاعتبار إلى المؤسسة، وتجديد دورها بما يتناسب مع التحولات العميقة التي يشهدها العالم والثقافة الفلسطينية والعربية، فالمؤسسة التي لا تتجدد تتحول تدريجياً إلى ذاكرة، بينما المطلوب أن يكون الاتحاد ذاكرة حية ومؤسسة للمستقبل في الوقت نفسه.
ولعل إحدى أهم الفرص التي يتيحها مؤتمر بيروت أنه يمكن أن يشكل بداية لمسار أوسع، خصوصاً مع الجهود المبذولة لعقد مؤتمرات أخرى للفروع في مواقع مختلفة، ومنها مصر، وصولاً إلى عقد المؤتمر العام للاتحاد، وهذا المسار يجب ألا ينظر إليه بوصفه استكمالاً شكلياً للخريطة التنظيمية، وإنما باعتباره فرصة تاريخية لإعادة بناء العلاقة بين الاتحاد والكتاب والأدباء الفلسطينيين، وإعادة تعريف وظيفته ودوره ومكانته.
إن الطريق إلى المؤتمر العام ينبغي أن يكون طريقاً للحوار والمصالحة الثقافية، لا مجرد طريق لاستكمال الإجراءات التنظيمية، فالمطلوب أن نصل إلى مؤتمر عام قادر على فتح صفحة جديدة، تتجاوز الانقسام دون أن تلغي الاختلاف، وتحافظ على التعدد دون أن تسمح بتحوله إلى تفكك، وتؤسس لشراكة حقيقية بين مختلف الاتجاهات والتيارات والتجارب الثقافية الفلسطينية، فالثقافة بطبيعتها لا تحتمل القوالب المغلقة، والاختلاف بين الكتاب والمبدعين ليس عيباً ينبغي إخفاؤه، بل يمكن أن يكون مصدراً للثراء إذا وجد إطاراً ديمقراطياً يحميه، ووحدة الاتحاد لا ينبغي أن تعني وحدة الرأي، كما أن وحدة الثقافة لا تعني إلغاء التعدد؛ وإنما تعني أن نمتلك مؤسسة قادرة على إدارة هذا التعدد ضمن رؤية وطنية وثقافية جامعة.
وفي هذا السياق، أتوقف عند كلمة صديقي الشاعر مراد السوداني، الأمين العام للاتحاد، في مؤتمر بيروت، بما حملته من وضوح وثبات وإحساس بمسؤولية اللحظة، فقد بدت كلمته تعبيراً عن حاجة حقيقية إلى استعادة الاتحاد لدوره، وعن إدراك بأن المؤسسة التي بناها الرواد لا يجوز أن تبقى أسيرة الانقسام أو أن تفقد مكانتها التي راكمتها عبر عقود.
إن قيمة الموقف الثقافي في اللحظات المفصلية لا تقاس ببلاغة الكلمات وحدها، وإنما بقدرتها على التعبير عن الضرورة التاريخية، وما تحتاجه الثقافة الفلسطينية اليوم هو هذا النوع من المواقف التي تنظر إلى المستقبل من دون أن تقطع صلتها بالماضي، وتحافظ على الإرث من دون أن تحوله إلى قيد، وتفتح الباب أمام التجديد من دون أن تتخلى عن الثوابت التي قامت عليها المؤسسة.
والتحدي الذي يواجه الاتحاد في المرحلة المقبلة لا يتعلق فقط بإعادة توحيد فروعه وأطره، وإنما بإعادة تعريف دوره في عالم تغيرت فيه أدوات إنتاج الثقافة وتلقيها، فالكتاب لم يعد وحده حامل المعرفة، والمنصة الثقافية لم تعد محصورة في الصحيفة أو المجلة أو الندوة، والأجيال الجديدة من الكتاب والشعراء تعيش فضاءً رقمياً مختلفاً، بينما يفرض الذكاء الاصطناعي أسئلة جديدة حول الكتابة والإبداع والمعرفة والملكية الفكرية ومستقبل العلاقة بين الكاتب والقارئ.
وهنا تبرز الحاجة إلى اتحاد قادر على الجمع بين الذاكرة والمستقبل؛ اتحاد يحمي إرث الشعر الفلسطيني، لكنه لا يغلق الباب أمام القصيدة الجديدة، ويصون الرواية الفلسطينية، لكنه لا يخشى الأسئلة الجديدة، ويحفظ تاريخ المؤسسين، لكنه يفسح المجال أمام أجيال جديدة كي تضيف إلى هذا التاريخ.
نحن بحاجة إلى مؤسسة ثقافية فلسطينية لا تعيش على رصيد الماضي، بل تضيف إليه، ولا تكتفي بالدفاع عن الأدب الفلسطيني، بل تسهم في إنتاج المعرفة، وتشجع الإبداع، وتدعم الكتاب والمبدعين، وتفتح أبواب الترجمة والحوار الثقافي، وتعزز حضور الثقافة الفلسطينية في العالم.
إن استعادة الاتحاد لمكانته لا يمكن أن تتم بقرار إداري وحده، ولا بمؤتمر واحد، وإنما باستعادة المعنى الذي تأسس من أجله، وعندما يشعر الكاتب الفلسطيني في الوطن والشتات بأن الاتحاد يمثله، ويصون حقوقه، ويحتضن إبداعه، ويمنحه مساحة للاختلاف والمشاركة، عندها فقط تصبح الوحدة واقعاً حياً وليست شعاراً، ولذلك فإن المؤتمر العام المقبل، إذا ما أُنجز بروح جديدة، يمكن أن يكون أكثر من محطة تنظيمية؛ يمكن أن يكون لحظة لإعادة بناء المؤسسة على أسس ديمقراطية وتشاركية، وإعادة الاعتبار إلى الكفاءة والإبداع، ووضع مصلحة الاتحاد ومكانته فوق الاعتبارات الفئوية والشخصية.
نحن لا نحتاج إلى اتحاد يستعيد الماضي فقط، وإنما إلى اتحاد يصنع المستقبل، ولا نحتاج إلى ثقافة تتحدث عن الوحدة فقط، بل إلى ثقافة تمارس الوحدة في حياتها اليومية، ولا نحتاج إلى مؤسسة تنظر إلى الاختلاف بوصفه خطراً، وإنما إلى مؤسسة تجعل من التعدد مصدراً للقوة، ومن الحوار طريقاً للتكامل.
إن الثقافة الفلسطينية اليوم أمام مسؤولية مضاعفة؛ فهي مطالبة بحماية الذاكرة في مواجهة محاولات المحو، والدفاع عن الرواية الفلسطينية في مواجهة التزييف، وفي الوقت نفسه مطالبة بفتح أفق جديد للأجيال التي لم تعد تقرأ العالم بالأدوات ذاتها التي قرأته بها الأجيال السابقة.
ومن هنا، فإن وحدة الاتحاد يمكن أن تكون جزءاً من استعادة أوسع لوحدة الثقافة الفلسطينية، ووحدة الثقافة يمكن أن تكون بدورها مساهمة في ترميم جانب من جوانب الوحدة الوطنية التي أرهقها الانقسام، فليس المطلوب أن يصبح الكتاب جميعاً متشابهين، وإنما أن يختلفوا داخل بيت واحد، وليس المطلوب أن نتفق على كل شيء، وإنما أن نعرف كيف نختلف دون أن يتحول اختلافنا إلى قطيعة، وليس المطلوب أن نعيد إنتاج الماضي، وإنما أن نحمل أفضل ما فيه إلى المستقبل.
من بيروت يمكن أن يبدأ هذا الطريق، ومن مصر وغيرها من المواقع يمكن أن يتسع، ومن المؤتمر العام يمكن أن يولد اتحاد أكثر حضوراً، وأكثر ديمقراطية، وأكثر قدرة على حمل اسمه وتاريخه ومسؤوليته، اتحاد يحمل إرث المؤسسين والشهداء، لكنه لا يعيش في ظلهم؛ اتحاد يفتح أبوابه للأجيال الجديدة، ويصغي إلى أصواتها؛ اتحاد يدرك أن فلسطين ليست قضية سياسية فقط، وإنما قضية ثقافة وذاكرة وهوية وحق في المستقبل.
ولهذا فإن تحية بيروت ليست تحية لمؤتمر انعقد وانتهى، وإنما تحية لبداية نأمل أن تكتمل، ولإرادة ثقافية تسعى إلى استعادة ما تفرق، وإلى بناء ما ينبغي أن يكون، فكل التحية لمؤتمر بيروت، وللجهود المبذولة لاستكمال مؤتمرات الفروع، وصولاً إلى المؤتمر العام، وكل الوفاء للذين أسسوا الاتحاد وحملوا رايته، وكل التقدير لصديقي الشاعر مراد السواني، الذي عبّر في كلمته الثابتة عن مسؤولية هذه اللحظة وضرورتها.
لقد آن للثقافة الفلسطينية أن تستعيد وحدتها، وللاتحاد أن يستعيد مكانته، وللكلمة أن تعود إلى دورها الطبيعي، أن تجمع حين يتفرق الآخرون، وأن تحفظ الذاكرة حين يحاول الآخرون محوها، وأن تفتح الطريق إلى المستقبل حين تضيق الطرق، فالثقافة الفلسطينية لا ينبغي أن تكون آخر ساحات الوحدة، بل يمكن أن تكون إحدى أولى ساحات استعادتها.