حين سلمتني الكتابة الحكاية
كانت الكتابة تصل الي قبل ان اصل اليها، كما لو انها تعرف اسمي منذ زمن بعيد، وتنتظر ان اكبر قليلا كي تسلمني عبء الحكاية. لم اخترها يوما، بل وجدت نفسي اسير في اثرها، احملها كما يحمل المسافر مصباحه الاخير، لا ليبدد العتمة كلها، بل كي لا يضيع الطريق...
منذ أن سلمتني الكتابة عبء الحكاية، وأنا أكتب من أرض لا تعرف السكون ... اكتب بينما الفصول تتبدل، والخرائط تتبدل، والوجوه تتبدل، لكن الزيتونة لا تغير لغتها، والحجر لا يبدل ذاكرته، والمدينة التي ترفع صلاتها نحو السماء ما زالت تعرف اسماءها كلها، حتى تلك التي حاول الغياب ان يمحوها. كتبت عن هذه الارض حين كانت تفتح ابوابها للفرح، وحين كانت تغلقها على الحزن، كتبت عن الهم والغم، وعن الفرح الذي كان يخرج من بين الركام كزهرة عنيدة، وعن الحزن الذي كان له دائما وجه ام، وعن العشق والموت، عن مرثيات الواقع وعن ذلك التطلع الخافت نحو مستقبل لم نكف عن انتظاره، حتى حين بدا المستقبل نفسه كأنه يتعب من الانتظار...
بدأت رحلتي مع الكلمة من المكان الذي يتعلم فيه الانسان كيف يصغي الى صمت الجدران. هناك، خلف الابواب الثقيلة، اكتشفت ان الحرية قد تبدأ من جملة، وان القصيدة تستطيع ان تمر من ثقب لا تعبر منه الشمس، وان اللغة حين تضيق بها الحياة، تتسع للحياة كلها. ومن بين العلب الاسمنتية، حيث كان الهواء نفسه يبدو محسوبا، كتبت على وريقات صغيرة، كتبت لعلها تصل، لعلها تجد يوما ظلال النور، لعل الكلمات التي خرجت من العتمة تعرف طريقها الى من ينتظرها في الخارج...
خرجت، لكن شيئا مني بقي هناك. ومنذ ذلك اليوم لم اعد اكتب بالحبر، بل بما تركته الايام على الروح من خدوش لا تراها العين. كتبت حين ظن الناس ان الابواب ستفتح، ثم كتبت حين اكتشفوا ان الابواب كانت تؤدي الى ممرات اخرى من الانتظار. كتبت حين ارتفعت الحجارة حتى بدت اقرب الى السماء من البنادق، ثم كتبت حين عاد الغبار ليستقر فوق الاسماء، وكأن البلاد كانت تعيد ترتيب وجعها بلغة لا يفهمها الا الذين عبروا النار حفاة.
وكتبت حين صار للجدار ظل اطول من الطريق، وعندما اصبح الوصول الى الشجرة يحتاج الى رحلة، والوصول الى الاخ يحتاج الى تصريح، والوصول الى الذاكرة يحتاج الى شجاعة. وكتبت حين انقسم الاخ عن اخيه، لا بالجغرافيا وحدها، بل بالتعب، وباختلاف الحلم، وبكثرة الخسارات. وكتبت عن الاسرى، عن اولئك الذين يحملون اعمارهم خلف الابواب، وعن الجلجلة التي لم تنته، وعن المسرى الذي ظل مفتوحا في الروح مهما ضاقت الطرق، وعن الشهداء الذين لا اكتب عنهم بوصفهم غيابا، بل بوصفهم عودة مؤجلة، كأنهم في مكان ما يهيئون خطاهم الاخيرة للرجوع...
وكتبت للمدن المحاصرة وهي تعلم العالم معنى الجوع الكريم، ومعنى ان يحرس الاطفال البحر وهم لا يملكون قاربا، وان تنام الامهات على وعد مؤجل اسمه الغد. لكنني كتبت ايضا عن تلك المدن التي، رغم الحصار، ما زالت تجد لنفسها مكانا صغيرا للفرح، نافذة للعيش ما امكن، ضحكة طفل، فنجان قهوة، عرس مؤجل، او اغنية تتسرب من بيت لم يتعلم اهله بعد كيف يستسلمون. فالمدن لا تحيا بالحجر وحده، وانما بما تخبئه من قدرة غامضة على ان تضحك في وجه الموت.
ثم جاءت الاعوام الاخيرة، كان القيامة قررت ان تمر من هنا. صار الدخان اعلى من المآذن، واكثر من الاجراس، وصارت السماء تحمل من الشهداء اكثر مما تحمل من الغيوم. رأيت البيوت وهي تتحول الى ذاكرة، والاسماء وهي تبحث عمن ينطقها، والامهات وهن يرفعن الدعاء بيد، ويجمعن بقايا العمر باليد الاخرى. ووسط هذا الخراب استدعيت كل ما ادخره الانسان من اساطير كي افهم واقعه .. سبارتاكوس حين يكون التمرد اكثر من ثورة، وفينوس حين يبقى الحب قادرا على النهوض من بين انقاضه، وطروادة حين يسقط الحصن ولا تسقط الحكاية، واستحضرت جلجامش حين بحث الانسان الاول عن معنى الخلود، وكل الاساطير التي لم تكن بالنسبة لي حكايات بعيدة، بل مرايا نرى فيها حاضرنا بوجه اخر...
كتبت عن المدن التي زرتها كما كتبت عن المدن التي لم استطع الوصول اليها. عن العواصم، عن الشوارع التي تلمع اكثر مما ينبغي، عن المدن البلاستيكية التي تصنع واجهاتها بعناية وتخفي خلف الضوء ما لا تريد له ان يرى. كتبت عن المدن التي يسكنها الجمال ومدن الاضواء، وعن اصدقاء يسكنون عواصم بعيدة، يحملون في ذاكرتهم شيئا من هذه الارض، ويبحثون في زحام الجمال عن نافذة تطل على بيت قديم. كتبت عن كل القامات التي عبرت امامي، عن الذين تركوا في اللغة ظلا، وعن الذين تركوا في الروح ندبة، وعن الذين اختلفت معهم وعن الذين اتفقت، فالكتابة عندي لم تكن يوما دفتر مديح، بل محاولة لفهم الانسان حين يكون عظيما، وحين يخونه ضعفه...
وكتبت عن الحب، وعن العشق، وعن المرأة. كتبت لها ومنها، كتبت عن حضورها حين تكون وطنا، وعن غيابها حين يصبح الغياب وطنا اخر. وما زلت اكتب لها، لان المرأة في حياتي لم تكن تفصيلا عابرا، بل كانت دائما تلك المساحة التي تستعيد فيها الروح قدرتها على الحلم، حتى في اكثر الايام قسوة...
وكتبت عن الخيانات والخيبات، عن الذين باعوا الحكاية، وعن الذين خذلوا الطريق، وعن احلام كبيرة انتهت الى غرف ضيقة. وكتبت عن الكنعاني الذي ما زال يقارع هنا، عن ذلك الكائن القديم الذي لم يغادر الارض، والذي كلما ظنوا انه انتهى، خرج من تحت الركام وقال .. ما زلت هنا. وكتبت عن امي، عن المرأة التي لا تحتاج الى اسطورة كي تكون اسطورة، وعن العجوز الرابضة في بيتها العتيق، تحرس ما تبقى من المفتاح والحكاية، وعن القدس، ام المدائن وعاصمة الفقراء، تلك المدينة التي كلما حاولوا اختصارها في حجر او قبة، اتسعت في الروح حتى صارت وطنا بكامله...
كتبت في السفر كما كتبت في الحصار، في العواصم كما كتبت في الازقة، في المقاهي التي يطل منها العالم على نفسه، كما كتبت في الامكنة التي لا يطل منها سوى جدار. كتبت عن البعيد والقريب، عن الذين غادروا، وعن الذين بقوا، عن الذين حملوا اوطانهم في حقائبهم، وعن الذين حملوا حقائبهم ولم يستطيعوا مغادرة اوطانهم...
ومع ذلك... لم اتعلم من كل هذا كيف اكره... تعلمت فقط ان اكتب... اكتب لان الكتابة هي الشيء الوحيد الذي لم تستطع الجدران مصادرته، ولم تستطع المنافي نفيه، ولم تستطع الخسارات ان تقنعه بالصمت. اكتب لانني اخاف على الحكاية من النسيان، واخاف على الذاكرة من الذين يكتبون التاريخ بممحاة. اكتب لان الوريقة التي خرجت يوما من بين العلب الاسمنتية قد تجد ظلال النور، ولان كلمة صغيرة كتبتها في عتمة ما قد تصل، بعد سنوات، الى قلب لم اعرفه، وتقول له ان احدا كان هنا، رأى، وتألم، وحلم، واحب، وكتب...
لقد كتبت في الانكسار، لكنني لم اكتب منكسر النفس. وكتبت في الحصار، لكن اللغة بقيت اوسع من الاسوار. وكتبت في الفقد، لكنني لم افقد يقيني بان الحياة، مهما اثقلها الموت، تعرف دائما كيف تزرع زهرة في شق صخرة. كتبت مرثيات الواقع، لكنني لم اكتب مرثية للمستقبل. فالذين رحلوا ليسوا عندي خاتمة الحكاية، والشهداء سيعودون، لا بالضرورة كما يعود الغائب الى بيته، بل كما تعود الذاكرة حين ترفض ان تموت، وكما يعود الحق كلما ظن الظالم انه استطاع ان يدفنه.
لهذا ما زلت اكتب... لان الكتابة ليست مهنة عندي، بل شكل من اشكال البقاء. وليست هواية، بل عهد بيني وبين الذين عبروا هذه الارض وتركوا لنا الوصية الاخيرة .. لا تسمحوا للحكاية ان تموت...
فاذا كان للانسان وطن يسكنه، فان لي وطنا اخر يسكنني. وطن لا تحاصره الجدران، ولا تصادره الخرائط، ولا تستطيع الخيبات ان تهدمه. وطن حملت اساطيره معي من سبارتاكوس الى طروادة، ومن فينوس الى جلجلة المسيح، ومن المسرى الى دروب الاسرى، ومن الكنعاني الاول الى الشهيد الذي ينتظر عودته، وحملته من القدس، ام المدائن، الى كل مدينة عرفتني او عرفت نصا من نصوصي، ومن العلبة الاسمنتية التي كتبت فيها على وريقة خائفة، الى العواصم التي رأيت فيها الضوء والظل معا .. ذلك الوطن اسمه الكلمة.