حين لا تكفي الأسرة وحدها الوقف والزكاة والتعاونيات كشبكات للصمود المنتج- المقالة الخامسة ضمن "اقتصاد الصمود الاجتماعي"
الواقع
مهما بلغت كفاءة أسرة فلسطينية في إدارة أزمتها المالية — قرض حسن هنا، مشروع منزلي صغير هناك — يبقى أثرها محصورًا بحجمها: دخل إضافي محدود، ومخاطرة يتحملها أفراد قلائل، وقدرة شرائية لا تتجاوز نصف دزينة من الأشخاص مهما اجتهدوا. وفي الوقت ذاته، يواصل الاقتصاد الفلسطيني نزيفه البنيوي، بعجز مالي متصاعد ودَين عام متضخم عامًا بعد عام. وأسر متفرقة تخوض المعركة ذاتها، كل بمفردها، دون أن تتقاطع جهودها في نقطة واحدة تراكم فيها الأثر.
المشكلة
المشكلة أن الصمود، حين يُترك على مستوى الأسرة الفردية فقط، يصطدم بسقف لا يمكن تجاوزه مهما حسُنت الإدارة الداخلية. أسرة واحدة قد تنجح في تجنّب الدَّين الاستهلاكي، لكنها لا تستطيع بمفردها بناء مطحنة، أو حفر بئر ري، أو تمويل ورشة تصنيع تستوعب عشرة عمال. هذا هو بالضبط ما وصفه ابن خلدون حين ربط قوة العصبية بحجمها: فالرابطة التي تقف عند حدود الأسرة الواحدة تبقى عصبية ضعيفة مهما بلغ تماسكها الداخلي، وقوة العمران الحقيقية لا تتحقق إلا حين تتسع هذه الرابطة لتشمل القبيلة أو القرية أو الأمة ككل. رأس المال الاجتماعي المحصور داخل جدران البيت الواحد يبقى رأس مال متناثر لا رأس مال منتج، لأن الإنتاج الحقيقي يحتاج حجمًا لا يملكه فرد ولا أسرة.
الحل، من منظور الاقتصاد الإسلامي وفلسفة الصمود والإنتاج
هنا بالضبط يكمن السبب الذي جعل التراث الاقتصادي الإسلامي لا يكتفي بحثّ الفرد على العمل والادخار، بل بنى إلى جانبه مؤسسات تتجاوز حدود الأسرة الواحدة عمدًا: الوقف الذي يحبس الأصل لينتفع به جيل بعد جيل، والزكاة التي تُحوّل من علاقة ثنائية بين معطٍ وآخذ إلى نظام توزيع مؤسسي له مصارف محددة، والتعاونية التي تجمع موارد متفرقة تحت إدارة واحدة. والدكتور منذر قحف، من أبرز من كتبوا في اقتصاديات الوقف والزكاة المعاصرة، يؤكد أن هذه الأدوات لم تُصمَّم تاريخيًا كصدقة تُسكت حاجة عابرة، بل كبنية تمويل تنموي تعمل بمنطق مؤسسي دائم يتجاوز طاقة أي فرد أو أسرة بمفردها.
من هنا تُستمَد ثلاث خطوات عملية لتفعيل هذا المستوى الجماعي:
١. وقف إنتاجي جماعي بدل وقف فردي متناثر.* حين يوقف كل محسن أرضه أو عقاره منفردًا يبقى الأثر محدودًا، أما تجميع عدة أوقاف صغيرة تحت إدارة مؤسسية واحدة فيتيح تمويل مشروع إنتاجي بحجم حقيقي — مطحنة، مستودع تبريد، ورشة تصنيع — يخدم قرية كاملة لا بيتًا واحدًا.
٢. زكاة موجّهة كرأس مال تشغيلي.* توجيه الزكاة عبر مؤسسة منظمة نحو تمويل رأس مال تشغيلي لمشاريع صغيرة ناشئة، وفق رأي فقهي معتبر يتسع بموجبه بابا "الغارمين" و"في سبيل الله" لمثل هذا التوظيف التنموي، بدل أن ينتهي أثرها خلال أسابيع من صرفها استهلاكيًا.
٣. تعاونيات تُجمّع لا تُفرّق.* تعاونية زراعية أو حرفية تجمع عشرات الأسر تحت مظلة تفاوضية وتسويقية واحدة تعيد لهذه الأسر وزنًا اقتصاديًا لا تملكه أي منها منفردة، وتحوّل تشتتها الفردي إلى قوة تفاوضية جماعية.
الأسرة لا تُلام حين يعجز جهدها الفردي عن تغيير المعادلة الكبرى؛ فهذا ليس ضعفًا فيها، بل حدًّا طبيعيًا لحجمها. غير أن الجهود الفردية، حين تتوقف عند هذا الحد دون أن تتجمّع في مؤسسة تتجاوزه، يبقى أثرها متناثرًا كطاقة مبعثرة لا كقوة تراكمية. وهذا هو جوهر ما تقوله مدرسة "اقتصاد الصمود الاجتماعي": الانتقال من الصمود الفردي إلى الإنتاج الحقيقي طريقه المؤسسات التي تحوّل رأس المال الاجتماعي المتناثر إلى قدرة إنتاجية جماعية، لا مزيد من الجهد الفردي وحده.