حوار القاهرة الفلسطيني: فرصة أخيرة قبل طيّ حقبة كاملة
يتركّز الاهتمام بتأجيل الانتخابات وتداعياته بين النخبة السياسية، فالشعب الفلسطيني في وطنه غير مكترث بعقدها ولا بتأجيلها، لانشغاله بأولويات أخرى: الحفاظ على الحياة، ولقمة العيش، والبيت، والأمن، والصحة والدواء، وفرصة العمل ومواجهة الإبادة والضم والتهجير والاستيطان واعتداءات المستوطنين. ويدل على هذا أن 66% من الفلسطينيين في قطاع غزّة و55% في الضفة الغربية، وفق استطلاع "أوراد"، لم يكونوا يعرفون موعد الانتخابات.
وإذا أُضيف إلى هذا فشل الحوار الوطني إذا فشل، كما هو متوقع، في حال أعاد إنتاج الحوارات والاتفاقات السابقة، فسيُدقّ مسمار إضافي، وربما الأخير، في نعش النظام السياسي الفلسطيني بمختلف مكوناته، بمزيدٍ من تآكل الشرعية والمصداقية واتساع الهوة بين القيادات والشعب، ومزيد من الضغوط والتدخلات الخارجية، خصوصاً من الدول المانحة، بما يهدّد بعودة الوصاية وتعميم تجربة "مجلس السلام" في الضفة.
وقد هدد بعضُها، كالاتحاد الأوروبي، وفرنسا تحديداً، بوقف المساعدات إذا لم تُراجَع قرارات التأجيل، ولم يتم التوقف أمام ما يقوم به الاحتلال من وضع عقباتٍ تجعل إجراء انتخاباتٍ حرّة مستحيلا. وفي هذا السياق، سمعنا أفكاراً عن تشكيل إطار موازٍ لمنظمة التحرير قبل إعادة بناء مؤسّساتها، وعن مطالبة المانحين بأن يضيفوا إلى طلب الانتخابات تشكيل حكومة مفوَّضة برئيس وزراء كامل الصلاحيات، وتحويل الرئيس إلى رئيس فخري.
وهذا أمر حميد إذا اعتُمد، وكان مبادرة من الشعب الفلسطيني وأطراف فلسطينية، وخطيرٌ وينزع عنه الصفة الوطنية إذا استقوى بأطراف خارجية.
يعود التأجيل أساساً إلى خشية القيادة والنخبة الحاكمة من الخسارة، فقد أفادت مؤشّرات واستطلاعات عدة، بينها ما أُجري ولم يُنشر، بأنها ستحصل في أحسن الأحوال على 24% من المقاعد، وفي أسوئها على أقل من 10%. وهذا يعني تغيراً حاسماً في الخريطة السياسية، بما يترجم سياسياً ما حدث، ويعكس الحقائق ونتائج ما بعد "7 أكتوبر".
ظهرت معالم الخريطة الجديدة في النكبة الجديدة، وخصوصاً في غزّة، رغم أسطورة الصمود والمقاومة الباسلة، فقد انتهت المواجهة، بحكم موازين القوى والوضع الإقليمي والدولي وخطأ الحسابات، والسعي إلى وقف حرب الإبادة، بقبول خطة ترامب التي تحولت إلى قرار مجلس الأمن 2803، رغم أنها تشكل نوعاً من الوصاية الخارجية على قطاع غزّة.
ونفّذ الجانب الفلسطيني معظم التزاماته في المرحلة الأولى، وأكد التزامه بالباقي، خصوصاً تخلي حركة حماس عن السلطة ونزع سلاحها وتحولها إلى حزب سياسي، في اتفاقٍ مع "مجلس السلام" نهاية يوليو/ تموز الماضي، بينما لم تنفّذ إسرائيل معظم التزاماتها في المرحلة الأولى، ورفضت تنفيذ الاتفاق المشار إليه.
ويُراد للخريطة السياسية الجديدة أن تناسب أيضاً ما يُحدثه الاحتلال يوميّاً في الضفة من حقائق، حيث يتصاعد بوتيرة محمومة تنفيذ خطة حسم الصراع: التي تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية من جذورها، بما في ذلك استمرار حرب الإبادة والتهجير وتصفية قضية اللاجئين ومنع قيام دولة فلسطينية وتقويض السلطة، وإفقار السكان، وإطلاق يد المستوطنين، والضم الزاحف، وتوسيع المستوطنات وبناء بؤر جديدة، والفصل العنصري، والتهجير الداخلي بتجميع الفلسطينيين في معازل في المنطقتين أ وب، وإخلاء المنطقة ج، تمهيداً لتهجيرهم إلى الخارج في الوقت المناسب، بعد ضم أكبر مساحة ممكنة من الأرض واستيطانها وتهويدها.
ولا غرابة في ما يجري، فقد حدث أمر شبيه بعد الانتفاضتين الأولى والثانية، فالأولى حققت إنجازاتٍ كبرى في بدايتها ثم تحوّلت إلى إخفاقات، بسبب انهيار الاتحاد السوفييتي، وانهيار التضامن العربي بعد احتلال العراق الكويت، وتجفيف موارد المنظمة، وتجاهل طرفٍ أهمية استثمارها وتسرّع طرف آخر في قطف ثمارها قبل نضجها. وهذا ما يفسّر الوقوع في فخ أوسلو، السقطة الكبرى والتي حصلت نتيجة الأوهام الضارة والرهانات الخاسرة. وجاءت الانتفاضة الثانية إثر فخ نصبه إيهود باراك لياسر عرفات بالانتقال إلى الوضع النهائي ودمج استحقاقات المرحلتين، الانتقالية والنهائية، ودعوة كلينتون إلى قمة كامب ديفيد بحجّة التوصل إلى سلام، بينما الهدف الحقيقي، كما صرح باراك، إزالة القناع عن وجه ياسر عرفات، ثم تحميله الفلسطينيين مسؤولية فشلها خلافاً لوعده.
وجاءت ردّة الفعل على زيارة شارون الاستفزازية للأقصى ضمن تقدير ثبت خطؤه، مفادُه بأن انتفاضة مسلحة محدودة يمكن السيطرة عليها، وستحسّن شروط التفاوض. ثم أدّت أحداث "11 سبتمبر" (2001) إلى تحوّل أميركي وعالمي ضد المقاومة، بربطها بالإرهاب، وفتحت الباب للمطالبة بتغيير القيادة الفلسطينية وإيجاد قيادة جديدة تحارب الإرهاب، كما جاء في خطاب بوش الابن في يونيو/ حزيران 2002. وبعده طُرحت خريطة الطريق التي تحفّظ عليها شارون ونسفها بوضع 14 تحفّظًا، ووضع خطة فك الارتباط بغزّة.
وفي السياق نفسه، طُرح "إصلاح" السلطة الفلسطينية باستحداث منصب رئيس الحكومة ونقل صلاحيات الرئيس إليه. وكان ذلك كلمة حق أُريد بها باطل، هو إضعاف قيادة عرفات وإيجاد قيادة أكثر استجابة للشروط الأميركية والإسرائيلية. ورغم ولادة تلك القيادة، لم يتحسّن الموقف الإسرائيلي، بل ازداد تطرّفاً رغم تقديم مزيد من التنازلات الفلسطينية.
وما يجري اليوم حلقة جديدة في هذا السياق، في ظروف ذاتية أسوأ، وتحت عنوان قديم متجدّد، "إصلاح السلطة" أو "السلطة المتجددة"، وبأدوات عدّة، منها الانتخابات، في ظل استمرار الإبادة والضم والاستيطان والفصل العنصري، والضربات القوية التي تعرّضت لها السلطة والمقاومة، ما أضعفهما بشدّة وأوجد فراغاً هناك من يستعد لملئه.
وقد بات من شروط وقف الإبادة تخلي "حماس" عن السلطة ونزع سلاح القطاع وإقصاؤها عن المستقبل الفلسطيني ورفض اشتراكها في الانتخابات، ليس بمطلب إسرائيلي أميركي فحسب، بل بمطلب إقليمي ودولي.
لا يمكن إفشال هذا المخطط، أو حتى تحسين شروطه، من دون نجاح الحوار الفلسطيني في القاهرة، والتوصل إلى توافق وطني، لا على إجراء الانتخابات في أسرع وقت فحسب، بل أيضاً على إعادة تعريف المشروع الوطني، أو على الأقل الاتفاق على برنامج سياسي قادر على مواجهة المخاطر الوجودية التي تهدّد القضية والأرض والشعب والحقوق ووحدانية تمثيل منظمة التحرير. ويتطلب نجاح الحوار وعياً بالمخاطر والفرص من دون مبالغة أو تقليل، وإرادة سياسية تغلّب الوحدة والتعددية والشراكة على أي شيء آخر.
وإذا توفر هذا وتحرك الشعب وقواه الحية لفرض إرادته فثمة فرصة، لنجاح الحوار هذه المرّة. ويتطلب هذا توسيع دائرة المشاركين لتضم ممثلين عن المرأة والشباب وأماكن اللجوء والشتات والمجتمع المدني والقطاع الخاص والشخصيات المستقلة، وتغيير جدول الأعمال، بحيث لا يعيد إنتاج المحاصصة الفصائلية، ويتمحور حول وضع رؤية واستراتيجية وشراكة ووحدة تعددية وقيادة واحدة، هدفها الأول توفير مقومات الصمود والبقاء للشعب والقضية، وإحباط مخطّط تصفية القضية بمختلف جذوره.
ويتطلب أيضاً الرهان على الشعب الفلسطيني (جمل المحامل) ومجسّد أسطورة الصمود والبقاء وطائر الفينيق، وعلى الشعوب العربية والإسلامية وشعوب العالم وقوى الحرية، بعدما شهدنا تحوّلاً تاريخياً غير قابل للارتداد عنه، حين أصبحت القضية عنوان الحرية والعدالة في العالم كله، وامتزج النضال لأجلها بالنضال العالمي، حتى صارت قضية داخلية في بلدان الغرب.
الفرصة قائمة لنجاح الحوار، وإنْ لم تكن كبيرة، جرّاء المأزق العميق والضعف الكبير الذي تعاني منه الحركة الوطنية بكل مكوناتها. ورغم هذا، هناك فرصة لأن خطر الإبادة يهدد الفلسطينيين جميعاً، ولأن جزءاً مهمّاً من أسباب الخلاف أُزيل من أرض الصراع، ويمكن إزالته عن طاولة الحوار الداخلي، فقد كان التنافس على السلطة بين سلطتين متنازعتين أهم جذور الانقسام. والآن دُمرت السلطة في غزّة واستعدت "حماس" للتخلي عما تبقى منها، بينما تُقوَّض السلطة في الضفة، ويتراوح مستقبلها إذا لم يجر تغييرها ضمن مقاربة جديدة بين حلّها وتفكيكها وتحويلها إلى سلطاتٍ محلية، وبقائها مفرغة من أي محتوى سياسي أو وطني، بلا أفق، ووظيفتها إدارة السكان تحت الاحتلال.
ويطرح هذا السؤال عن وظيفة الانتخابات: هل هي انتخاب من يدير السجن ويحسّن ظروف الأسر، ويكرّس الانقسام ويعمقه، أم من يسعى إلى كسر قضبانه وإنجاز الوحدة طريق الانتصار بإنهاء الاحتلال وتجسيد حق تقرير المصير والاستقلال؟ فهناك انتخابات وانتخابات.
ونحذّر من وضع البرنامج الوطني الديمقراطي الاجتماعي جانباً وإدانة تجربة الفصائل، بما لها وما عليها، بحجّة وصولها إلى طريق مسدود، وأن الأولوية للقضايا المعيشية، فهذا وذاك صحيحان، ولكنهما وحدهما يعنيان التعايش مع الاحتلال والخضوع لشروطه والاعتماد والرهان على المانحين والآخرين. ولم تصل الفصائل إلى هذا الضعف إلا حين تخلت عن برامجها الوطنية الديمقراطية، وتقادمت وترهلت وفسدت ولم تتجدّد ولم تتغيّر، وصار بقاؤها الهدف، فأصبحت أشبه "بحارة كل مين إيده له". لذا إذا تحوّلت المنافسة الانتخابية وغير الانتخابية إلى منافسةٍ بين أفراد، من دون توافقٍ على الأسس والأهداف وقواعد العمل المشترك الأساسية، بحيث بات كل واحد منهم يسعى إلى مصالحه أو مصالح عائلته أو عشيرته أو القطاع المالي أو الأمني الذي يمثله، وهذا إن تحقق سنصل إلى أسوأ مما نحن فيه.
وقد كان الخلاف سابقاً على برنامج الدولة الفلسطينية، وهناك حالياً اتفاق وطني واسع حوله، وكان خلاف حول أشكال المقاومة، بين من يؤيد المفاوضات ومن يتبنى المقاومة المسلحة. أما اليوم فقد دخلنا مرحلة لا حلول فيها ولا مفاوضات ولا أفق سياسيا لسنوات، ولا يُتاح فيها اللجوء إلى المقاومة المسلحة، نظراً إلى الكلفة العالية والموقف الإقليمي والدولي، حتى بات هناك توافق فلسطيني عام على وقفها، رغم أنها حقٌّ مشروع لأي شعبٍ تحت الاحتلال، كما يظهر من الموافقة الفلسطينية على قرار مجلس الأمن، المستند إلى خطة ترامب واتفاق تطبيقها.
هناك طريق، إذا توفرت الإرادة لبلورة الوعي والمراجعة والمساءلة والتجديد والتغيير. وإن لم تتوفر، فسنشهد سريعاً إسدال الستار على حقبة فلسطينية امتدت منذ النكبة عام 1948، وستعقبها مرحلة جزْر، تقصر أو تطول، لكنها لن تغلق الصراع. بل ستأتي حقبة جديدة وموجة جديدة من النضال الفلسطيني، نأمل أن تكون وستكون مختلفة، خصوصاً في النتائج، فالشعب الفلسطيني يستحق الانتصار وجدير به.