حسدتُ الكاتبة
حسدتُ ليوني سوان، وأظن أن الكتّاب يعرفون هذا النوع من الحسد جيدًا، ذلك الذي لا علاقة له بالنجاح ولا بالمبيعات ولا بالشهرة، بل بفكرة واحدة تجعلك تضرب جبهتك وتقول: كيف لم تخطر لي؟
بهذه البساطة، وهذه تحديدًا هي المشكلة، فالأفكار العبقرية تبدو، بعد أن يكتبها أحدهم، بسيطة إلى درجة الوقاحة، تشعر أنها كانت طوال الوقت معلقة أمامك في الهواء، وأنك مررت من تحتها ألف مرة ولم ترفع رأسك.
شاهدت فيلم The Sheep Detectives وأنا مستعدة لأن أضحك على خراف تلعب دور المحققين، وانتهيت منه وقد بكيت على موت سباستيان.
ولا أبالغ حين أقول إنني بكيت فعلًا، في مكان ما أثناء الفيلم، ومن دون أن أنتبه، توقف سباستيان عن أن يكون خروفًا، صار سباستيان، كائنًا أعرفه، له وجوده ومكانه بين الآخرين، وله ما يحب وما يخاف، وحين مات شعرتُ أن أحدًا أعرفه قد رحل، وهنا أدركت أن الفيلم فعل بي شيئًا أكثر أهمية بكثير من إضحاكي أو إمتاعي بحبكة بوليسية ذكية، لقد أجبرني على النظر، نحن البشر بارعون جدًا في النظر إلى العالم من مركزه، لأننا قررنا منذ زمن أننا مركزه أصلًا. نقيس ذكاء الكائنات بمدى اقترابها من ذكائنا، ونقيس مشاعرها بالطريقة التي نعبّر بها نحن عن مشاعرنا، ونمنحها القيمة بقدر ما تستطيع أن تفعل لنا، وإذا لم تتكلم لغتنا، افترضنا أنها لا تفهم، وإذا لم تبكِ مثلنا، افترضنا أنها لا تحزن، وإذا لم تستطع أن تخبرنا عن خوفها، تصرفنا أحيانًا كأنها لا تخاف.
في الفيلم يقرأ الراعي للخراف وهو مطمئن إلى أنه الطرف الوحيد الذي يفهم الحكاية، لكنه لا يعرف أن هناك عالمًا كاملًا يدور أمامه، وأن تلك العيون التي يظنها ساكنة تراقبه، وأن الكلمات التي يلقيها كل ليلة لا تضيع في الهواء، الخراف تسمع، وتتذكر، وتتعلم.
ثم يأتي أجمل انقلاب في الحكاية: بدل أن يكون الحيوان هو الكائن الذي يراقبه الإنسان ويحاول فهم سلوكه، تصبح الخراف هي التي تراقبنا نحن، وفجأة يبدو الإنسان غريبًا جدًا، يكذب وهو قادر على قول الحقيقة، يحب ثم يؤذي من يحب، يخاف، يطمع، يندم، ويتحدث كثيرًا ليخفي أحيانًا أبسط الحقائق.
ومن عيون الخراف، نصبح نحن اللغز، ربما لهذا السبب لم أشعر أن الفيلم يحاول أنسنة الحيوانات بقدر ما كان يحاول أن ينتزع منا قليلًا من غرورنا البشري، أن يقول لنا، من دون خطبة طويلة، إن العالم مليء بحيوات كاملة تجري إلى جوار حياتنا، وإن عدم قدرتنا على سماع حكاياتها لا يعني أنها بلا حكايات.
وقد أكد الفيلم إيماني بقرارٍ كنت قد اتخذته سابقًا: أن أكون نباتية، لا لسبب معقد، بل رفقًا بالحيوانات التي أحبها، لم أحتج إلى الفيلم كي أتخذ هذا القرار، ولم أشاهده بحثًا عن حجة تؤيده، لكنه أعادني ببساطة إلى السبب الأول: الرحمة، فالرحمة لا تحتاج دائمًا إلى فلسفة كبيرة، يكفي أحيانًا أن تنظر إلى كائن آخر، وأن تقبل احتمال أن حياته تعني له بقدر ما تعني لك حياتك.
وحين مات سباستيان وبكيت، خطر لي سؤال ظل معي بعد انتهاء الفيلم: لماذا كان موته مؤلمًا إلى هذه الدرجة؟ ربما لأنني عرفته، كان له اسم، وصوت، وأصدقاء، وصارت له، خلال أقل من ساعتين، حكاية، لكن ماذا عن آلاف الحيوانات التي لا نعرف أسماءها؟ هل تصبح حياتها أقل قيمة لأن أحدًا لم يكتب لها شخصية، ولم يمنحها صوتًا، ولم يضع موسيقى حزينة في لحظة موتها؟
ربما هذه إحدى أجمل قوى الحكاية: أنها تجعلنا نرى من اعتدنا المرور بجانبه دون أن نراه.
بدأ الفيلم بفكرة جعلتني أحسد صاحبتها، وانتهى بي أمام فكرة أكبر بكثير من لغز جريمة وخراف تحاول حله، وربما لهذا أحببته، لأنه لم يحاول أن يجعل الخراف أكثر شبهًا بنا، بل جعلني، ولو لساعتين، أكثر قدرة على أن أكون شبيهة بما أحب أن يكون عليه البشر: أكثر انتباهًا، أقل غرورًا، وأكثر رحمة، ومع ذلك، ما زلت أحسد ليوني سوان، فكرة خراف تحل جريمة؟
تبًا لكِ يا ليوني... كان يجب أن تخطر لي أنا.