هل لا تزال فتح حركة تحرر؟
لم تعد حركة فتح في صورتها الراهنة، تعرف نفسها عمليا بوصفها حركة تحرر وطني، حتى وإن بقيت الشعارات القديمة معلقة على الجدران وفي أدبياتها الرسمية. فالحركات الوطنية تقاس بوظيفتها التاريخية لا بتاريخ تأسيسها فقط، ووظيفة حركة التحرر هي أن تبقى في حالة اشتباك سياسي وشعبي مع الاحتلال إلى أن يتحقق الاستقلال الكامل. أما حين تتحول الحركة إلى سلطة منشغلة بالمناصب أكثر من انشغالها بتغيير الواقع السياسي، فإنها تغادر موقع “حركة التحرر” إلى موقع “حزب الحكم”.
يبدو أن فتح، منذ سنوات، توصلت إلى قناعة ضمنية بأنها أنجزت ما تعتبره مهمة التحرر الوطني، أو على الأقل وصلت إلى السقف الممكن منه. لذلك لم يعد السؤال المركزي في اوساطها القياديه: كيف ننتزع الحرية؟ بل كيف نحافظ على السلطة واستمرارية النظام السياسي القائم؟ ولهذا السبب لم تعد طبيعة هذا الحكم تشكل أزمة حقيقية بالنسبة لها؛ سواء كان دولة مستقلة ذات سيادة، أو حكماً ذاتيا محدودا تحت الهيمنة الإسرائيلية، أو حتى سلطات محلية موسعة تدير الشؤون المدنية للسكان.
التحول الخطير هنا ليس في الخطاب فقط، بل في البنية الذهنية والسياسية. فحين تصبح الوظيفة الأساسية للنخبة الحاكمة هي حماية المؤسسات القائمة لا تطوير مشروع التحرر، تتحول السلطة من “مرحلة انتقالية” إلى غاية بحد ذاتها. ومن هنا يمكن فهم حالة الجمود السياسي التي تعيشها الحركة، وغياب أي رؤية كفاحية أو استراتيجية وطنية جديدة، مقابل الحضور الطاغي للصراعات الداخلية، وترتيب الولاءات، وإعادة إنتاج النخب نفسها داخل المؤتمرات التنظيمية.
لقد انطلقت فتح بوصفها مشروعا لتحرير فلسطين، وكانت شرعيتها مستمدة من فكرة الثورة والتضحية والعمل الوطني. أما اليوم، فإن شرعيتها تستمد أكثر فأكثر من قدرتها على إدارة السلطة والاحتفاظ بالامتيازات المرتبطة بها. ولهذا لم يعد مستغربا أن يتراجع الحديث عن المقاومة والتحرير لصالح مفردات “الاستقرار” و”الحفاظ على المؤسسات” و”منع الفوضى”، وهي لغة أقرب إلى أنظمة الحكم التقليدية منها إلى حركات التحرر
والسؤال الذي يواجه الفلسطينيين اليوم ليس فقط: ماذا تبقى من فتح القديمة؟ بل أيضا: هل يمكن لحركة تحولت إلى حزب سلطة أن تستعيد روح التحرر الوطني من جديد؟ أم أن المسافة بين الثورة والسلطة أصبحت أبعد من أن تردم بالشعارات والخطابات؟