غزة- القوارض تهاجم النازحين في ظل انهيار بيئي وصحي
قطاع غزة - أرض الإخبارية
كتبت: دكتورة حكمت المصري
في جنوب قطاع غزة، حيث تتكدّس خيام النزوح فوق أرضٍ مثقلة بالركام والنفايات، لم تعد التهديدات تقتصر على القصف أو الجوع. خطرٌ آخر، صامت وسريع التكاثر، يتسلّل إلى داخل الخيام مع حلول الليل: القوارض.
داخل هذه البيئات الهشة، التي تفتقر إلى أدنى مقومات النظافة والصرف الصحي، وجدت الفئران والجرذان ظروفًا مثالية للانتشار، لتتحول من ظاهرة مزعجة إلى تهديد صحي مباشر قد يفتح الباب أمام تفشٍ وبائي واسع.
في خيمة مهترئة على أطراف أحد المخيمات، تجلس أم محمد زامل (42 عامًا) تحاول تهدئة أطفالها حول وجبة متواضعة، قبل أن تقطع الصمت صرخة:
"انتبِهوا! الفأر عاد!"
تشير إلى زاوية مظلمة، حيث تتحرك قوارض لم تعد مجرد زائر عابر، بل واقع يومي.
تقول: "لم نعد نخاف القصف فقط، بل نخاف الليل قبل أسبوعين، عضّ فأر قدم ابنتي الصغيرة وهي نائمة. لم نجد دواءً، ولم نجد من يساعدنا."
قصتها ليست استثناءً. في مخيمات النزوح، تتكرر حوادث العضّ، خاصة بين الأطفال، في ظل غياب أي وسائل وقاية أو استجابة طبية فعّالة.إصابات تتفاقم ومرضى بلا حماية

أبو أحمد كريم (55 عامًا)، مريض سكري، يروي: "استيقظت على ألم حاد جرذ عضّني ، الجرح لم يلتئم، وبدأ يسوء."
في ظروف طبيعية، قد تكون الإصابة قابلة للعلاج. لكن في غزة اليوم، حيث النظام الصحي منهك، تصبح جروح صغيرة بوابة لمضاعفات خطيرة، قد تصل إلى البتر.
زوجته تضيف: "لا توجد أدوية، ولا تعقيم حقيقي ، ما نملكه هو الخوف."
وتؤكد حالات مشابهة، بينها أم ليان سلمان (38 عامًا)، أن غياب المتابعة الطبية ونقص المضادات الحيوية يحوّلان الإصابات البسيطة إلى أزمات صحية مفتوحة.الغذاء تحت التهديد

يقول محمود خلدون (27 عامًا): "نعيش على المساعدات عندما تصل، تفسدها الفئران. لا توجد أماكن تخزين، ولا وسائل حماية."
في بيئة مكشوفة، تتمزق أكياس الطعام، وتتلوث المؤن، ما يجبر العائلات على التخلص منها، رغم المجاعة المتفاقمة.
أم علاء حمدان (65 عامًا) تختصر المشهد: "حتى ما نملكه من أشياء بسيطة لم يعد آمنًا كل شيء يتلف حتي ملابسنا تلفت."

وفي هذا السياق، حذّر وزير الصحة، الدكتور ماجد أبو رمضان، من مخاطر صحية متزايدة تهدد سكان قطاع غزة نتيجة الانتشار الواسع للقوارض، في ظل تراكم النفايات والركام وتدهور البيئة.
وأوضح أن الفئران والجرذان تنقل أمراضًا خطيرة، منها فيروس هانتا، الطاعون، داء البريميات، السالمونيلا، والتولاريميا، سواء عبر العض أو من خلال التلوث غير المباشر.
وأشار إلى أن أكثر من مليون مواطن يعيشون في الخيام أو في العراء، ما يجعلهم عرضة مباشرة لهذه المخاطر، داعيًا الجهات الدولية إلى التدخل العاجل.
كما لفت إلى أن 47% من سكان القطاع هم من الأطفال، الذين يعانون من نقص حاد في الرعاية الصحية، إلى جانب انتشار سوء التغذية والإعاقات الناتجة عن الحرب.

من جانبه، أكد الدكتور محمد عزيز، استشاري الأمراض الجلدية، أن العيادات تستقبل مئات الحالات يوميًا، نتيجة انتشار الحشرات والقوارض، من بينها حالات التهابات جلدية خطيرة وأمراض معدية. كما حذر من تلوث الطعام والشراب، ما يؤدي إلى أمراض معوية مثل الإسهال والتيفوئيد، خاصة في ظل غياب شروط النظافة الأساسية.
سلالات "غريبة" ومخاوف متصاعدة
وفي ظل هذا الواقع، يعبّر بعض السكان عن مخاوفهم من ظهور أنواع من القوارض لم تكن مألوفة سابقًا. يقول أحد كبار السن: "عشنا في غزة سنوات طويلة، لكننا لم نرَ مثل هذه القوارض. بعضها كبير بشكل مخيف ويتحرك بسرعة غير طبيعية."
وتتزايد بين السكان تساؤلات حول طبيعة هذا الانتشار، حيث يربط البعض بينه وبين ظروف الحرب وتدمير البيئة، بينما يذهب آخرون إلى طرح فرضيات أكثر خطورة، تتعلق بإمكانية إدخال هذه السلالات بشكل متعمد من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي.
ورغم غياب أدلة علمية موثقة تثبت هذه الادعاءات، إلا أن انتشار هذه الروايات يعكس حجم القلق والخوف الذي يعيشه السكان، في ظل واقع صحي وبيئي متدهور بشكل غير مسبوق.

بدوره، حذر أمجد الشوا، رئيس شبكة المنظمات الأهلية، من أن قطاع غزة يواجه أزمة صحية وبيئية مركبة، نتيجة تراكم النفايات، وانتشار المياه العادمة، وارتفاع درجات الحرارة، ما يهيئ بيئة مثالية لتكاثر القوارض والحشرات.
كما أشار مسؤولون محليون إلى أن انهيار خدمات الصرف الصحي والنظافة العامة، ومنع إدخال مستلزمات المكافحة، يزيد من تفاقم الأزمة، ويحدّ من قدرة البلديات على التدخل.
نداء من داخل الخيام
في نهاية اليوم، لا تحمل أصوات النازحين مطالب معقدة.
تقول أم محمد:"نريد فقط أن نعيش بأمان. أن ننام دون خوف. وأن يأكل أطفالنا طعامًا نظيفًا."
لكن في واقعٍ تتداخل فيه الحرب مع الانهيار البيئي والصحي، تبدو هذه المطالب البسيطة بعيدة المنال أكثر من أي وقت مضى
