غزة خارج المشهد الدولي والاحتلال يواصل خروقاته وسط صمت العالم
غزة- خاص أرض الإخبارية
كتبت د. حكمت المصري.
لم تعد غزة مجرد خبر عابر في نشرات الأخبار، بل تحوّلت إلى مأساة مفتوحة تُرتكب على مرأى العالم ومسمعه، دون أن يحرّك أحد ساكنًا. ففي الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم نحو التوترات الإقليمية المتصاعدة بين حركة حماس و"إسرائيل"، والانشغال الدولي بالمفاوضات المرتبطة بالصراع الأوسع الذي يشمل إيران والولايات المتحدة، تُترك غزة وحيدة في مواجهة آلة حرب لا تتوقف، بلا رقابة، بلا مساءلة، وبلا أي تدخل دولي فعّال.
ورغم الإعلان عن وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في 10 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، إلا أن الوقائع الميدانية تكشف حقيقة مختلفة تمامًا؛ خروقات يومية، قصف مدفعي، إطلاق نار، وعمليات نسف للمنازل، في مشهد يعكس هشاشة هذا الاتفاق، بل ويفضح غياب أي إرادة دولية حقيقية لفرضه أو حتى مراقبته.
خروقات يومية ونار لا تهدأ
تشهد مناطق متفرقة من قطاع غزة تصعيدًا ميدانيًا متواصلاً، حيث أفادت مصادر محلية بقصف مدفعي استهدف المناطق الشرقية من مدينة غزة، بالتزامن مع إطلاق نار مكثف من الطيران المروحي الإسرائيلي شرقي مدينة خان يونس.
وفي شمال القطاع، نفذت قوات الاحتلال عمليات نسف لمنازل المواطنين في منطقة أبو زيتون بمخيم جباليا، في مشهد يتكرر بشكل شبه يومي، وسط حالة من الرعب المستمر لدى السكان.
ويؤكد شهود عيان أن "الهدنة" لم تكن سوى مرحلة أقل حدة من القتال، لكنها لم توقفه، حيث لم تمر ليلة واحدة دون سماع دوي انفجارات أو إطلاق نار.
أرقام صادمة حصيلة مفتوحة للموت
أعلنت وزارة الصحة في غزة أن حصيلة العدوان الإسرائيلي المستمر منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، بلغت 72,333 شهيدًا و اكثر من 172,202 مصابًا
مع الإشارة إلى أن آلاف الضحايا لا يزالون تحت الأنقاض وفي الطرقات، في ظل عجز فرق الإنقاذ عن الوصول إليهم بسبب القصف المستمر وانهيار البنية التحتية.
وتعكس هذه الأرقام حجم الكارثة الإنسانية غير المسبوقة، في وقت يشهد فيه القطاع انهيارًا شبه كامل للمنظومة الصحية والخدمات الأساسية.
"المنطقة الصفراء" موت على مدار الساعة
يتحدث النازحون عن اتساع ما يُعرف بـ"المنطقة الصفراء"، وهي مناطق يُحظر الاقتراب منها، لكنها في الواقع باتت تمتد لتشمل مساحات واسعة من الأراضي السكنية.
يقول فؤاد ماهر (32 عامًا) وهو أحد النازحين من شمال غزة: "نعيش على حافة الموت ، الرصاص لا يتوقف، حتى ونحن داخل الخيام، لا نعرف أين نذهب، فكل مكان أصبح منطقة خطر ، طائرات الاستطلاع تجول في السماء ليل نهار دون انقطاع."
وتضيف سميرة محمود (43 عامًا ) سيدة نازحة من شرق خان يونس: "نسمع إطلاق النار طوال الليل، الأطفال لا ينامون نخاف حتى من الخروج لجلب الماء في الصباح الباكر ، العالم يتحدث عن حرب إسرائيل وايران ، ونحن نموت بصمت."
وتضيف قائلة " نعيش في خيمة مهترئة ، المطر يدخل علينا، والبرد يقتل أطفالنا لا طعام، لا دواء، لا أمان، وكل يوم نسمع أن العالم مشغول بحروب أخرى".
في مخيمات النزوح، تتكشف تفاصيل مأساة إنسانية مركبة، حيث لا تقتصر المعاناة على القصف، بل تمتد إلى الجوع، وانعدام المياه، وانتشار الأمراض.
يقول أبو سامي خلف (65 عامًا) نازح من شرق مدينة غزة:
"نحن لسنا أرقامًا نحن بشر ، لكن العالم لا يرنا ، كل ما نريده أن نعيش بسلام، لكن حتى هذا أصبح حلمًا."
وقد اضاف خلف قائلًا " رغم الإعلان عن تشكيل لجنة دولية لإدارة الوضع في غزة، إلا أن هذه اللجنة لم تُترجم إلى أي وجود فعلي على الأرض، ان كل ما جرى كان أمام الكاميرات فقط دون أي خطوات عملية لتحسين الوضع الإنساني أو فرض التهدئة".
انشغال دولي وغزة خارج الحسابات
يرى مراقبون أن انشغال المجتمع الدولي بالصراع بين إيران و"إسرائيل"، والدور الذي تلعبه الولايات المتحدة في إدارة هذا الملف، ساهم في تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية، خصوصًا ما يجري في غزة.
كما أن المفاوضات التي تُعقد في عدة دول، من بينها باكستان، لم تنعكس بأي شكل على الواقع في القطاع، الذي لا يزال يعيش حالة حرب فعلية.
موقف حماس رفض تسليم السلاح
في المقابل، تؤكد حركة حماس تمسكها بسلاحها، معتبرة أنه "خط أحمر" في ظل استمرار الاحتلال.
هذا ما قاله خليل الحيه رئيس حركة حماس في تصريح صحفي:"سلاح المقاومة هو الضمانة الوحيدة لحماية شعبنا ولن يتم التخلي عنه في ظل استمرار العدوان والانتهاكات."
وأضاف:"الاحتلال يخرق كل الاتفاقات، والمجتمع الدولي لا يحرك ساكنًا ، فكيف يُطلب منا تقديم تنازلات؟"
غزة على فوهة بركان
في ظل هذه المعطيات، تبدو غزة وكأنها تقف على حافة انفجار جديد، حيث تتصاعد التهديدات الإسرائيلية بالعودة إلى العمليات العسكرية الواسعة، بالتزامن مع استمرار الخروقات اليومية.
ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع، دون تدخل دولي حقيقي، قد يؤدي إلى جولة جديدة من الحرب، ستكون أكثر دموية في ظل الانهيار الكامل الذي يعيشه القطاع.
هذا ما صرح به الدكتور محمد دياب الباحث في الشؤون السياسيه حيث قال ان الأوضاع تشهد في قطاع غزة منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي تطورات تتجاوز مجرد وصفها بـ"الخروقات"، إذ يمكن اعتبارها نهجاً واضحاً لتكريس واقع احتلالي في القطاع. ويتجلى ذلك من خلال عمليات القتل الممنهج، وتدمير ما تبقى من مقومات الحياة، عبر استهداف البنى التحتية والتجمعات العمرانية، خاصة في المناطق الواقعة شرق ما يُعرف بـ"الخط الأصفر".
وقد عمدت إسرائيل إلى إفراغ اتفاق وقف إطلاق النار من مضمونه، ضمن استراتيجية تهدف إلى تثبيت وجودها في القطاع بما يخدم أهدافها، وذلك من خلال تحويل غزة إلى بيئة طاردة، وخلق ظروف تجعل الحياة فيها شبه مستحيلة. ويأتي هذا في إطار سعي حكومة اليمين في إسرائيل إلى حسم الصراع عبر القوة العسكرية.
وأضاف دياب الي أن حكومة نتنياهو تنظر إلى قطاع غزة بوصفه ساحة صراع أقل تكلفة، ما يدفعها إلى الاستمرار في هذه السياسات العدوانية لخدمة أجندتها الحزبية، خاصة مع اقتراب انتخابات الكنيست. ويسعى نتنياهو، في هذا السياق، إلى تعزيز موقعه لدى جمهور اليمين، حتى لو كان ذلك على حساب الدماء والدمار في القطاع.
وأضاف دياب في المقابل تستغل إسرائيل انشغال العالم بالحرب في إيران ولبنان لتمرير سياساتها على الأرض، وترسيخ واقع الاحتلال في غزة. وترى في هذه الظروف فرصة للمضي قدماً دون ضغوط دولية تُذكر سواء على مستوى الرأي العام أو المواقف السياسية. وقد بدا ذلك واضحاً منذ بدء الحرب على إيران في مارس الماضي، من خلال تقليص دخول المساعدات الإنسانية، وتصعيد عمليات القتل والتدمير في مختلف مناطق القطاع.
وفي محاولة لتجاوز استحقاقات المرحلة الأولى من خطة الرئيس ترامب، طرحت مبادرة من ميلادينوف تتمحور حول ربط تسليم السلاح بجهود الإعمار والإغاثة. وقد وضعت هذه المبادرة حركة حماس أمام تحدٍ جديد، خاصة في ظل عدم التزام إسرائيل باستحقاقات المرحلة الأولى، وغياب أفق واضح أو مسار موثوق لانسحابها من القطاع.
واشار دياب قائلًا وفي ظل هذه المعطيات، وجدت حماس نفسها أمام ما تعتبره ابتزازاً سياسياً، يصعب القبول به دون وجود ضمانات حقيقية. لذلك جاء ردها برفض مناقشة مسألة السلاح قبل وفاء إسرائيل بالتزاماتها. غير أن هذا الموقف قد يُفسَّر في إسرائيل على أنه رفض صريح لنزع السلاح، ما قد يمنح نتنياهو ذريعة لاستئناف العمليات العسكرية في غزة، خاصة في ظل تعثر تحقيق أهدافه في إيران ولبنان.
قد يدفع ذلك نتنياهو إلى تصعيد الموقف في غزة، لتفادي الظهور بمظهر الفاشل أمام قاعدته الانتخابية، لا سيما مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية في أكتوبر المقبل.
إن هذا التعثر في ما يتعلق بخطة ميلادينوف يهدد مسار الاتفاق، ويفتح الباب أمام تصعيد جديد، في ظل انشغال الولايات المتحدة بالحرب على إيران، وتراجع قضية غزة في سلم أولوياتها.
بين قصفٍ لا يتوقف، وصمتٍ دوليٍّ يزداد ثقلاً، ومعاناةٍ إنسانية تتفاقم يومًا بعد يوم، لا تبدو غزة فقط خارج أولويات العالم، بل خارج ضميره أيضًا.
وفي الوقت الذي تُعقد فيه الاجتماعات وتُطلق التصريحات، يُترك سكان القطاع ليواجهوا مصيرهم وحدهم، في حربٍ لم تتوقف، حتى في زمن "الهدنة".
غزة اليوم لا تحتاج بيانات إدانة جديدة... بل تحتاج أن يتوقف هذا العالم عن التواطؤ بالصمت.