في المغير... رصاصة تُبتر قدماً وتحكي حكاية جيل
رام الله - أرض الإخبارية
في العادة، كان صراخ فادي نعسان يملأ أرجاء ملعب أكاديمية المغير، ليس صراخ ألم، بل صرخة انتصار بعد كل تسديدة تسكن الشباك، أو صيحة غضب عارمة بعد كل هدف يسجل في مرماه.
كان يركض وكأن عمره كله يتوقف على تلك الدقائق التسعين، وكأن كرة القدم ليست مجرد لعبة، بل شهادة ميلاد جديدة يكتبها بنفسه كل مساء.
اليوم، لم يعد الصراخ من الملعب، بل من غرفة العمليات. صراخ خافت، تخنقه أنابيب الأكسجين وأجهزة المراقبة، انتهى بقرار جراحي قاسٍ: بتر القدم اليسرى.
القدم التي صنعت الأساطير الصغيرة
قبل ساعات من كارثة البتر، كان فادي، ذو السابعة عشرة ربيعاً، أسطورة صاعدة في أروقة الأكاديمية.
لم يكن مجرد موهبة عابرة، بل كان "الجناح الأيمن" الذي يقرأ الملعب ككتاب مفتوح، ويمتلك قدرة خارقة على التحول من لاعب وسط إلى مهاجم صريح في ومضة عين.
كانت قدمه اليسرى هي السلاح السري، تلك القدم التي كان المدافعون يعرفون أنها الخطر الأكبر، لكنهم عاجزون عن إيقافها، لأن تسديداتها كانت تنطلق كالسهم، حادة وموقوتة، لا تترك للحارس فرصة سوى مشاهدة الكرة تهز الشباك.
في أوساط اللاعبين والمدربين، كان اسم فادي يرفع كأحد الأسماء الأكثر ترشيحاً للانضمام إلى المنتخبات الوطنية.
لم يكن ذلك وليد الصدفة، بل ثمرة إصرار لا يعرف الكلل؛ كان يغضب للهزيمة أكثر مما يفرح للفوز، وكأن داخله جندياً لا يستسلم، يراكم الدقائق وكأنه يطارد عمراً ضائعاً.
كان يؤمن أن المستطيل الأخضر هو بوابته إلى عالم آخر، عالم تتساوى فيه الأحلام، بعيداً عن جدران الاحتلال وقيوده.
لحظة تحول الملعب الأخضر إلى مشهد رمادي
في الهجوم العسكري الأخير الذي شنته قوات الاحتلال والمستوطنون على قرية المغير، لم تكن الأنظار موجهة إلى البيوت الحجرية فحسب، بل إلى كل نبض فلسطيني ينمو داخلها. وأثناء اقتحام أحد المنازل، أطلقت رصاصة غادرة لم تختر جسد الشاب فادي فقط، بل اخترقت مستقبله، وحطمت أحلامه التي كان يبنيها لبنة لبنة.
لم تكن الإصابة مجرد كسر أو رضة، بل كانت رصاصة استهدفت القدم اليسرى تحديداً، تلك القدم التي كان يودع فيها كل شغفه.
وعندما وصل إلى المستشفى، كانت الصدمة الأكبر تنتظر عائلته وزملائه: النزيف الحاد والضرر البالغ في الأنسجة لم يتركا للجراحين خياراً سوى البتر، قرار اتخذ في دقائق معدودة لإنقاذ روح كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة بين يديه.
وحتى هذه اللحظة، يصف الأطباء وضعه الصحي بـ "الصعب" و"الحرج"، حيث لا يزال يخضع للمراقبة المكثفة، وسط حالة من الصدمة والترقب في بلدته الصغيرة.
ليس قدماً تبتر، بل حلم جيل يصاب
في العادة، حين يبتر أحد أطراف لاعب كرة، يكون الحزن على قدر المهارة التي فقدها الفريق، كن قصة فادي تتجاوز ذلك بكثير. إنها ليست مجرد إصابة رياضية، بل هي إصابة لفكرة كاملة؛ فكرة أن طفلاً فلسطينياً يحق له أن يحلم بملاعب عالمية، وأن يرى في الكرة المستديرة متنفساً من واقع مرير.
في فلسطين، لا يسرق الاحتلال الأرض فقط، بل يحاول سرقة الأحلام قبل أن تولد. يحوّل الملاعب الخضراء إلى ذاكرة مؤلمة، والطموح إلى جرح مفتوح.
لكن ما يفعله فادي اليوم، وهو يرقد في سرير المستشفى بعد أن فقد جزءاً من جسده، هو أنه يكتب بألمه فصلًا جديدًا من قصة هذا الجيل؛ جيل يريد أن يسجل أهدافاً في شباك المنافسين، فيجد نفسه فجأة يواجه رصاصاً لا يعترف لا بالرياضة ولا بالطفولة ولا بالأحلام.
أكبر من الرصاصة
تبقى قصة فادي نعسان، رغم كل شيء، أكبر من الرصاصة التي أصابته، فالأحلام التي تُكتَب بالموهبة والإصرار لا تنتهي عند لحظة بتر، بل تتحول إلى شهادة حية على أن هذا الجيل قادر على النهوض، حتى لو فقد قدمه، سيظل يحلم بقدم أخرى، وربما بمنتخب آخر، حيث تكون المباراة الوحيدة التي يخوضها هي معركة البقاء والإصرار على الحياة.