فتح بين العرفاتية والعباسية
لم تعد حركة فتح اليوم هي ذاتها التي عرفها الفلسطينيون في زمن ياسر عرفات، حتى لو بقيت صور الرجلين معلقة جنبا إلى جنب في المقرات الرسمية، وكأن الصورة تستطيع أن تخفي القطيعة العميقة بين النهجين. فبين “فتح عرفات” و”فتح عباس” ليس مجرد اختلاف في الأساليب أو الأولويات، بل انتقال كامل من مرحلة سياسية إلى أخرى، ومن روح إلى روح مختلفة تماما.
الأولى كانت حركة مشبعة بالكاريزما والفوضى الثورية والشعارات الكبرى، والثانية تحولت إلى سلطة بيروقراطية محكومة بالحسابات الإدارية والأمنية والرواتب والتنسيق واللجان والتقارير.
وبين الحركتين يقف جيل كامل حائرا بين الحنين إلى الماضي والبحث عن مكان داخل الحاضر.
عرفات، رغم كل ما يمكن أن يقال عنه، كان يمثل فكرة “فتح” بوصفها حركة تحرر وطني متعددة الأصوات والتيارات، فيها المقاتل والشاعر والانتهازي والثوري ورجل الأعمال ورجل المخابرات، لكنها كانت جميعاً تدور حول مركز واحد اسمه “أبو عمار”.
كان الرجل يدير التناقضات أكثر مما يحسمها، ويشتري الولاءات بالرمزية والكاريزما والقدرة على إبقاء الجميع داخل الخيمة.
أما عباس فقد جاء بعقلية مختلفة تماما؛ عقلية الموظف السياسي الذي يؤمن بالمؤسسة والانضباط والهدوء وتجنب المغامرات.
ولذلك لم تعد “فتح” في عهده حركة ثورية بقدر ما أصبحت جهازا إداريا ضخما، يعيش على الرواتب والموازنات والعلاقات الرسمية، ويخشى الفوضى أكثر مما يخشى الجمود.
ولهذا فإن من يرفع اليوم شعار “أنا فتحاوي” عليه أولا أن يحدد أي فتح يقصد. هل هو عرفاتي أم عباسي؟ لأن الجمع بين الاثنين أصبح أقرب إلى محاولة الجمع بين زمنين متناقضين. العرفاتي اليوم يعيش غالبا على النوستالجيا السياسية؛ يستحضر صور بيروت وتونس والخطابات النارية والكوفية والمسدس والزعيم الذي كان يتحدث باسم الثورة والعالم الثالث والمخيمات. لكنه في النهاية لا يملك سوى الحنين، لأن ذلك الزمن انتهى، ولم يعد له مكان حقيقي داخل البنية الحالية للسلطة والحركة.
يتحول العرفاتي شيئا فشيئا إلى نوع من “السلفي السياسي”، يقدس الماضي ويردد رواياته ويعيش عاطفيا داخله، بينما الواقع يتحرك في اتجاه آخر تماماً.
أما إذا قرر أن يكون عباسيا، فعليه أن يستعد لدخول عالم مختلف تماماً؛ عالم المنافسة على المواقع والامتيازات والمناصب والعطايا. هنا لا تنفع الأغاني الوطنية ولا ذكريات الكرامة وبيروت، بل تنفع العلاقات والولاءات والقدرة على التصفيق في الوقت المناسب.
في هذا العالم قد يكتشف سريعا أنه مجرد “مقشر بصل” أمام الهوامير الكبار وشبكات النفوذ والمسحجين المحترفين الذين يتقنون فن البقاء قرب مراكز القوة.
فالعباسية السياسية ليست مدرسة ثورية بقدر ما هي نظام إداري مغلق يعرف جيدا من يكافئ ومن يستبعد ومن يسمح له بالصعود.
وهكذا تبدو المفارقة قاسية: العرفاتي يعيش على الذاكرة، والعباسي يركض خلف المصلحة، وبينهما تضيع “فتح” القديمة التي كانت، على الأقل، قادرة على إقناع الفلسطيني بأنه ينتمي إلى حركة تحمل حلماً أكبر من مجرد راتب أو منصب.