بشار المصري.. هندسة الاقتصاد لا تكتمل إلا بأعمدة الديمقراطية
لا يمكن اختزال ترحيب رجل الأعمال الفلسطيني بشار المصري بمرسوم الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي أصدره في التاسع من شهر يوليو 2026 والقاضي بإجراء انتخابات المجلس التشريعي، في إطار المجاملات السياسية العابرة، ومما لا شك فيه أن هذا الموقف ينطلق من قراءة واقعية وعميقة للمشهد الفلسطيني، صاغتها تجربة المصري الممتدة لأكثر من ثلاثة عقود؛ تجربة عاشها كرجل أعمال واقتصاد استثمر في بناء الدولة، وكمواطن يلمس يومياً تداعيات الفراغ المؤسسي على حياة الناس، وإلى جانب ذلك يتغذى هذا الموقف من انحيازه الدائم للشرائح المثقلة بالمعاناة، وهو ما تجسد ميدانياً في جهوده الإغاثية المستمرة لدعم صمود الأهل في قطاع غزة.
المصري المولود في نابلس، والذي يترأس مجموعة مسار العالمية وصاحب فكرة إنشاء مدينة روابي؛ لطالما نظر إلى التنمية باعتبارها مشروعاً لا ينفصل عن الاستقرار السياسي والمؤسسي، فالرجل الذي بنى مدينة بأكملها رهاناً على مستقبل فلسطيني مستقر، يدرك أكثر من كثيرين أن غياب مجلس تشريعي منتخب لسنوات طويلة كان عبئاً مباشراً على بيئة الاستثمار وعلى قدرة المؤسسات الفلسطينية على المساءلة والتخطيط بعيد المدى، ولم يكن مجرد فجوة دستورية فقط.
يأتي ترحيب المصري بهذا المرسوم امتداداً لنهج وطني راسخ يرفض الإملاءات الخارجية، فالرجل الذي اتخذ قبل سنوات موقفاً حاسماً بمقاطعة مؤتمر السلام من أجل الازدهار في المنامة رفضاً لمحاولات مقايضة الحقوق السياسية بوعود اقتصادية واهية؛ يؤكد اليوم المؤكد، ويثبت فكرة أن اصطفافه حينها مع الإجماع الوطني ضد الصفقات الخارجية يتطابق تماماً مع ترحيبه الحالي بمرسوم الانتخابات، ففي الحالتين، يرى المصري أن شرعية القرار الفلسطيني وحل أزماته يجب أن تنبعا من الداخل ومن صناديق الاقتراع الوطنية، لا من ترتيبات تُطالع من خلف الحدود.
لكن ترحيب المصري لا يقف عند حدود الاحتفاء بالمرسوم، ولكنه يضع شروطاً لدعم ذلك، وهي أن تحمل القوائم الانتخابية توجهات ديمقراطية حقيقية وتقدّم رؤية تنموية تضع مصلحة المواطن وتطلعاته في المقدمة، وهذا الشرط بحد ذاته يختصر فلسفة المصري في العمل العام، والتي تختزل في أن الديمقراطية بلا مضمون تنموي شكل فارغ وأن التنمية بلا مشاركة سياسية حقيقية هي مجرد بناء هش، وحين يتحدث المصري عن تمثيل منصف للشباب والمرأة، فإنه يستحضر واقعاً فلسطينياً يعاني منذ سنوات من إحساس متنام لدى الفئات الشابة والنساء بالتهميش والأقصاء من مواقع صنع القرار، رغم كونهم يشكلون النسبة الأكبر من المجتمع الفلسطيني وقوته المحركة.
في حين يأتي تخصيصه لغزة بالذكر ليعكس إدراكاً عميقاً لحجم الكارثة الإنسانية والاقتصادية التي خلفتها الحرب الأخيرة على القطاع، فالقطاع الذي يحتاج اليوم إلى عملية إعمار شاملة، يحتاج أيضاً بحسب هذه الرؤية إلى تمثيل تشريعي فاعل يضمن ألا تُختزل قضاياه في ملفات إنسانية طارئة، وإنما تتحول إلى أولوية دائمة على طاولة صنع القرار الوطني، وهذا يتقاطع مع نهج المصري نفسه الذي واجه في الفترة الأخيرة حملات وضغوطاً استهدفت استثماراته ودوره، دون أن يثنيه ذلك بحسب تصريحاته ومواقفه عن مواصلة العمل من أجل صمود المجتمع الفلسطيني واستقراره الاقتصادي.
خلاصة القول، يتجاوز تصريح بشار المصري حدود الترحيب البروتوكولي بمرسوم الانتخابات ليقدم خارطة طريق متكاملة للخروج من المأزق الراهن، وترتكز هذه الرؤية على ثلاثية ذهبية لا تقبل التجزئة، وهي شرعية تمثيلية تستمد قوتها من صناديق الاقتراع واقتصاد وطني مرن وقادر على الصمود وحاضنة مجتمعية تدمج الشباب والمرأة وأبناء غزة في قلب صناعة القرار لا على هامشه، وهذه بالضرورة مقاربة وطنية تعيد تمييز دور رأس المال، وتضع رجال الأعمال جنباً إلى جنب مع القوى السياسية والمجتمعيةكشركاء حقيقيين في مهمة أسمى من كونها مجرد استحقاق انتخابي، فهي حتماً مهمة إعادة ترميم الثقة المفقودة بين المواطن الفلسطيني ومؤسساته.