بن غفير والجيش.. ماذا وراء الفكرة؟
قد يبدو طرح اسم إيتمار بن غفير لوزارة الجيش الإسرائيلية، للوهلة الأولى، سيناريو مبالغاً فيه أو مجرد ورقة تُستخدم في الحسابات الائتلافية.
لكن في السياسة الإسرائيلية، لا تكفي قراءة المسألة من زاوية: من سيحصل على الحقيبة؟
الأهم هو محاولة فهم لماذا يمكن أن يُطرح هذا الاحتمال أصلاً، وما الذي يكشفه عن التحولات داخل اليمين الإسرائيلي؟
فالمسألة، إذا وصلت إلى هذه النقطة، لن تكون مجرد تغيير وزير بوزير، بل اختباراً لطبيعة العلاقة بين المستوى السياسي والمؤسسة العسكرية، وللأولويات التي يمكن أن تتقدم داخل الحكومة.
من الأمن الداخلي إلى مركز القرار العسكري.
بن غفير بنى حضوره السياسي على خطاب يضع الأمن في مقدمة أولوياته، وعلى مواقف شديدة التشدد تجاه الفلسطينيين والضفة الغربية والقدس والاستيطان.
وقد منحه موقعه في وزارة الأمن القومي مساحة للتأثير في ملفات الشرطة والأمن الداخلي.
أما وزارة الجيش، فتقع في مستوى مختلف؛ فهي مرتبطة بالمؤسسة العسكرية، وبالضفة الغربية، والاستيطان، والعمليات العسكرية، والعلاقة بين المستوى السياسي والجيش.
لذلك، فإن انتقال بن غفير إليها ــ إذا طُرح أو تحقق ــ لا يمكن فهمه باعتباره مجرد انتقال من حقيبة إلى أخرى.
سيكون السؤال حينها متعلقاً بطبيعة العلاقة بين اليمين السياسي والمؤسسة العسكرية، وبمدى اتساع الدور الذي يريد المستوى السياسي لعبه في تحديد الأولويات الأمنية.
لماذا قد يكون السيناريو مطروحاً؟
هناك أكثر من تفسير محتمل.
أحدها يرتبط بتوازنات الائتلاف الحكومي، حيث تحتاج الحكومة إلى إدارة دقيقة للعلاقة بين الأحزاب والتيارات المختلفة.
وتحويل وزارة الجيش إلى ورقة في إعادة ترتيب هذه التوازنات قد يكون جزءاً من مساومة سياسية أوسع، وليس بالضرورة قراراً نهائياً.
أما بالنسبة إلى بن غفير، فإن الحقيبة تمنحه موقعاً أقرب إلى الملفات التي تشكل جوهر خطابه، خصوصاً تلك المرتبطة بالضفة الغربية والاستيطان والعمليات العسكرية.
لكن طرح السيناريو لا يعني أن التعيين محسوم، ولا أن الطريق إليه سيكون بلا عوائق سياسية أو مؤسسية.
نتنياهو أمام معادلة دقيقة.
بالنسبة إلى بنيامين نتنياهو، فإن التعامل مع بن غفير يتجاوز مسألة توزيع الحقائب.
هناك حسابات الائتلاف، واستقرار الحكومة، ومواقف المؤسسة الأمنية والعسكرية، والعلاقة مع الشركاء السياسيين، إضافة إلى الاعتبارات الدولية.
لذلك قد تكون وزارة الجيش، في حال دخلت في النقاش السياسي، جزءاً من إعادة ترتيب أوسع داخل الحكومة، وليس بالضرورة تعبيراً عن قرار نهائي بمنحها لبن غفير.
وهذا التفريق مهم؛ فطرح اسم سياسي لشغل حقيبة لا يعني بالضرورة أن التعيين سيحدث.
المؤسسة العسكرية عامل حاسم، وزير الجيش لا يعمل في فراغ.
فالجيش له قيادته المهنية، ورئيس الأركان وهيئة الأركان، وهناك مجلس الوزراء والقيادة السياسية والأجهزة الأمنية، إلى جانب منظومة قانونية وعلاقات استراتيجية خارجية.
لذلك، حتى لو وصل سياسي مثل بن غفير إلى وزارة الجيش، فإن قدرته على تغيير السياسات لن تكون مطلقة.
لكن وجوده في هذا الموقع يمكن أن يؤثر في الأجندة السياسية، والأولويات المطروحة أمام المؤسسة العسكرية، وطبيعة النقاش داخل الحكومة.
وهنا تكمن أهمية السيناريو: ليس في قدرة شخص واحد على إدارة الجيش وفق إرادته، وإنما في الاتجاه الذي يمكن أن تتحرك فيه منظومة القرار.
ماذا يعني ذلك للفلسطينيين؟
هنا تصبح المسألة أكثر حساسية.
فوزارة الجيش الإسرائيلية ترتبط بمجموعة واسعة من الملفات التي تمس الحياة اليومية والسياسية للفلسطينيين، وخصوصاً في الضفة الغربية: الإدارة العسكرية، الاستيطان، الحركة، العمليات الأمنية والعسكرية، والأدوات المرتبطة بإدارة الأراضي المحتلة.
ومن ثم، فإن أي تغيير في هوية الوزير أو في التوازنات السياسية المحيطة بالوزارة يستحق المتابعة.
لكن من الخطأ القفز مباشرة إلى استنتاج أن تغيير الوزير سيؤدي بالضرورة إلى تغيير جذري في السياسة.
فالسياسة تُنتجها منظومة كاملة، وليس شخصاً واحداً.
أبرز التداعيات المباشرة المحتملة
إذا انتقل بن غفير إلى وزارة الجيش، فإن التأثير المحتمل على الفلسطينيين لن يكون ناتجاً عن شخص الوزير وحده، بل عن الأولويات التي قد يحملها معه إلى الوزارة، ومدى قدرته على تحويلها إلى سياسات فعلية.
* الضفة الغربية والاستيطان:
قد يصبح ملف الاستيطان والإجراءات المرتبطة بالأراضي الفلسطينية أكثر حضوراً على جدول أعمال المستوى السياسي، خصوصاً في الملفات التي ترتبط بالإدارة العسكرية في الضفة.
* الاقتحامات والعمليات العسكرية:
قد تتأثر طريقة إدارة العمليات بالأولويات التي يضعها المستوى السياسي، بما في ذلك حجم العمليات ونطاقها، مع بقاء القرار موزعاً بين الحكومة والجيش والأجهزة الأمنية.
* الحواجز وحركة الفلسطينيين:
أي تغيير في السياسة الأمنية يمكن أن ينعكس على الحواجز، وحرية الحركة، وإغلاق المناطق والطرق، وآليات التعامل مع المدن والقرى الفلسطينية.
* الاعتقالات والإجراءات الأمنية:
ستبقى هذه الملفات من المؤشرات المهمة على أي تغيير محتمل في النهج أو الأولويات.
* المستوطنون والبؤر الاستيطانية:
ستكون العلاقة بين المستوى السياسي والجيش في التعامل مع المستوطنين والبؤر الاستيطانية من الملفات التي تستحق المراقبة.
* العلاقة مع السلطة الفلسطينية:
قد تتأثر ملفات التنسيق الأمني والمدني وآليات الاتصال بين الجانبين بحسب توجهات الحكومة وتوازناتها.
* غزة:
إذا أصبح بن غفير وزيراً للجيش، فسيكون أقرب إلى مركز النقاش المتعلق بالحرب والخيارات العسكرية، لكن ذلك لا يعني أنه سيكون صاحب القرار المنفرد؛ فالقرار يرتبط أيضاً برئيس الحكومة ومجلس الوزراء والقيادة العسكرية والأمنية.
النقطة الأهم فلسطينياً
التداعي المباشر الذي ينبغي مراقبته ليس مجرد (وصول بن غفير إلى وزارة الجيش)، وإنما ما إذا كان وصوله سيقترن بتغيير فعلي في قواعد إدارة الضفة الغربية أو الاستيطان أو العمليات العسكرية.
وهنا يجب الفصل بين ثلاثة مستويات:
ما يطالب به بن غفير سياسياً، وما تستطيع الحكومة إقراره، وما يستطيع الجيش تنفيذه فعلياً.
هذا الفصل ضروري حتى لا يتحول تحليل احتمال سياسي إلى استنتاج مسبق بشأن ما سيحدث على الأرض.
وما بعد الاسم؟
إذا تحول اسم بن غفير إلى خيار جدي لوزارة الجيش، فالأهم ليس الاسم وحده.
الأهم هو مراقبة الشروط التي سترافق التعيين، وطبيعة التفاهمات داخل الائتلاف، وموقف المؤسسة العسكرية، والملفات التي سيحاول الوزير الجديد إعطاءها أولوية، وما إذا كانت هذه الأولويات ستتحول فعلاً إلى قرارات وسياسات على الأرض.
وهنا تصبح المسألة أكبر من بن غفير نفسه.
لأن السؤال الحقيقي ليس فقط: من يجلس في مكتب وزير الجيش؟
بل: أي سياسة ستخرج من ذلك المكتب؟
وإذا كانت الإجابة ستظهر في الضفة الغربية، عند الحواجز، في المستوطنات، في العمليات والاعتقالات، وفي طبيعة العلاقة مع الفلسطينيين، فإن مراقبة الاسم وحده لن تكون كافية.
في السياسة، أحياناً لا يكون أخطر ما في تغيير الأشخاص هو الشخص نفسه، بل ما يكشفه التغيير عن الاتجاه الذي تتحرك إليه منظومة القرار.
ومن هنا، فإن سيناريو بن غفير ــ إن انتقل من التداول السياسي إلى القرار ــ يستحق القراءة لا باعتباره نتيجة محسومة، وإنما باعتباره مؤشراً محتملاً على تحولات أوسع داخل بنية الحكم والقرار الأمني الإسرائيلي.