أوكسفام: إعادة إعمار غزة تكلف 71.4 مليار دولار
رام الله - أرض الإخبارية
أصدرت منظمة أوكسفام الدولية، بالتعاون مع معهد السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس) وبالتريد تقريراً مشتركاً يحذّر فيه من أن تكلفة إعادة إعمار قطاع غزة تبلغ نحو 71.4 مليار دولار، أي ما يعادل سبعة أضعاف إجمالي تكاليف جميع عمليات إعادة الإعمار السابقة التي أعقبت الهجمات الإسرائيلية الكبرى على القطاع خلال العقدين الماضيين.
وأكد التقرير، الذي يحمل عنوان "إعادة إعمار قطاع غزة: إطار نهج للتعافي بقيادة فلسطينية"، أن أي نموذج لإعادة الإعمار يُفرض من الخارج محكوم عليه بالفشل، مهما بلغ حجم التمويل، مشدداً على أن النجاح مرهون بوجود قيادة فلسطينية كاملة لعملية الإعمار، ومحاسبة إسرائيل على أفعالها.
وبحسب التقييم المشترك للأضرار والاحتياجات الصادر عن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي في أبريل 2026، فقد بلغت الخسائر والأضرار الإجمالية في غزة 57.9 مليار دولار، في حين تُقدر احتياجات التعافي وإعادة الإعمار خلال العقد المقبل بنحو 71.4 مليار دولار.
ولم تقتصر التداعيات على الجانب المادي، إذ كشف التقرير أن الحرب تسببت في مقتل أكثر من 73 ألف فلسطيني وإصابة 173 ألف آخرين، فيما نزح قسراً حوالي 1.9 مليون شخص. كما تراجعت مؤشرات التنمية البشرية بما يعادل 77 عاماً إلى الوراء.
"إبادة اجتماعية وثقافية"
ووثق التقرير أبعاداً غير مسبوقة للدمار، تجاوزت الخسائر المادية لتطال النسيج الاجتماعي والثقافي للقطاع، ومنها:
طمس المعرفة والذاكرة: تضررت أو دُمرت كلياً جميع المدارس تقريباً، وسويت الجامعات بالأرض، وقُتل آلاف المدرسين والأساتذة والباحثين، وضاعت المكتبات والأرشيفات التي كانت تحفظ تاريخ فلسطين.
انهيار نظام الرعاية: باتت نحو 58,600 أسرة تعيلها نساء، في ظل بلوغ نسبة البطالة بين النساء 92%، فيما تقضي معظم النساء بين 8 إلى 16 ساعة يومياً في أعمال رعاية غير مدفوعة الأجر.
أزمة صحية وإنسانية: غيّرت إصابة واحدة من كل أربع إصابات مجرى حياة أصحابها، فيما يحتاج أكثر من 50 ألف شخص إلى إعادة تأهيل طويل الأمد، واضطر 83% من ذوي الإعاقة للتخلي عن أدواتهم المساعدة.
تدمير بيئي: دُمرت البساتين والتربة الزراعية، وتلوثت الأراضي بالمعادن الثقيلة، وانهار الخزان الجوفي الساحلي، ما أعاد ظهور أمراض كانت قد استؤصلت كشلل الأطفال.
اختبار واضح للمجتمع الدولي
ووجّه التقرير رسالة واضحة إلى مجلس السلام برئاسة الولايات المتحدة، وإلى جميع الحكومات المانحة، قبيل انعقاد الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، دعا فيها إلى نقل سلطة اتخاذ القرار الحقيقية إلى الفلسطينيين، وتفكيك الحصار والقيود التي خنقت عمليات إعادة الإعمار السابقة، وضمان المساءلة عن جريمة الإبادة التي ارتكبتها إسرائيل، وفق ما خلصت إليه لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة في سبتمبر 2025، والالتزام بأفق سياسي ينهي الاحتلال ويعيد للفلسطينيين حق تقرير المصير.
وقال أميتاب بيهار، المدير التنفيذي لمنظمة أوكسفام الدولية: "لم يُسمَح لغزة يوماً بأن تلتقط أنفاسها أو تُكمِل إعادة إعمارها. هذا ليس قدراً محتوماً، بل هو الاحتلال غير القانوني والحصار الإسرائيلي، والإفلات من العقاب. وكل حكومة تموّل إزالة الأنقاض ولا تمتنع عن المساءلة هي شريكة في هذه الجريمة."
من جهته، أكد محمد سكايك، مدير برنامج غزة في مركز التجارة الفلسطيني (بالتريد): "ما دُمّر في قطاع غزة لم يكن مجرد مبانٍ من الفولاذ والخرسانة، لقد أبادت إسرائيل عالماً اجتماعياً واقتصادياً كاملاً بُني على امتداد أجيال، ولا يستطيع إعادة إعماره سوى الفلسطينيون أنفسهم."
وأضاف مسيف جميل، الباحث الأول في معهد السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس): "إعادة الإعمار ليست مهمة إنسانية فحسب، بل هي سياسية أيضاً. أي خطة تُصاغ في عواصم أجنبية، مهما بلغ حجم تمويلها، لن تكون سوى تمرين تجميلي أو شكل آخر من أشكال السيطرة. وقد حملت مشاوراتنا في غزة رسالة واحدة لا لبس فيها: لن يُتخذ أي قرار يتعلق بمستقبلنا من دوننا."
ويقدم التقرير إطاراً يمتد لخمس سنوات للتعافي وإعادة الإعمار، يقوم على ملكية فلسطينية في كل مرحلة، ويرفض أي وصاية دولية على القطاع، أو نماذج تهمش القدرة الفلسطينية على اتخاذ القرار، أو تجزئ الأرض الفلسطينية.