رماد الإبادة يَجُزُّ بهجة النحر..
أضحى غزة في العراء بلا أضاحٍ أو عيد
غزة- خاص أرض الإخبارية
كتب- بهاء عبدالله
تسير مريم عواد «43 عامًا» بخطوات مثقلة بالانكسار بين أزقة الأسواق الشعبية المؤقتة في مدينة دير البلح، تمسك بأطراف ثوبها البالي وتتأمل البضائع المعروضة من بعيد. نزحت مريم من شمال القطاع قبل عامين، واليود تلوذ بخيمة قماشية لا تقيها حُرقة شمس الصيف، وتكتفي بمراقبة حركة المارة. تقول والدموع تحتبس في عينيها: «لا أدخل السوق لأشتري، بل لأتفقد ما حُرمنا منه فقط. كلما تجرأت وسألت عن ثمن قطعة ملابس لصغاري أو كيلوغرام من اللحم، صدمتني الأرقام فأعود إلى خيمتي مكسورة الخاطر، عاجزة أمام نظرات أطفالي المنتظرة».
تختزل كلمات مريم المشهد القاتم الذي يظلل قطاع غزة في عيد الأضحى لعام 2026. فالفرحة التي طالما صبغت تفاصيل هذا الموسم الديني تلاشت تمامًا هذا العام، وحلت مكانها غصة العجز والحرمان. في هذا الشريط الساحلي المنهك، تغيب أبسط مظاهر الاحتفال؛ فلا ثياب جديدة تزيّن أجساد الصغار، ولا أضاحي تُساق إلى المنازل، وحتى طقوس إعداد كعك العيد المنزلي التي كانت تملأ الأجواء بعبيرها الدافئ باتت حُلمًا بعيد المنال داخل خيام تفتقر لأدنى مقومات الحياة البسيطة.
هدنة هشة وظلال ثقيلة
في ظل هذا الواقع، يصف جلال الحطاب «61 عامًا»، وهو تاجر عقارات سابق فقد ممتلكاته في دير البلح، التهدئة الحالية بأنها واجهة تخفي وراءها عمق المأساة، مشيرًا إلى أنه اضطر للتشارك مع شقيقه لشراء خروف واحد للأضحية بمبلغ فلكي ناهز 13 ألف شيكل «نحو خمسة آلاف دولار أمريكي». يضيف جلال بأسى خلال حديثه لـ«أرضالإخبارية »: «نعلم أن الثمن يتجاوز حدود العقل والمنطق، لكننا جازفنا بكل ما نملك لنصنع ومضة فرح باهتة لأطفالنا وسط هذا السواد الأعظم. العيد هذا العام يمر كئيبًا بلا نبض، مجرد أيام ثقيلة يغلفها الحزن على من فقدناهم».
بورصة الأضاحي تحلّق عاليًا
وفقًا للتوضيحات الصادرة عن الهيئات الزراعية المحلية في القطاع، فإن هذه القفزة القياسية في الأسعار تعود مباشرة إلى التوقف التام لعمليات استيراد المواشي عبر المعابر، ونفوق أعداد هائلة من الثروة الحيوانية جراء العمليات العسكرية الطويلة، فضلًا عن الارتفاع الحاد في تكاليف الأعلاف والتربية والنقل الداخلي. فالخروف الذي كان ثمنه لا يتجاوز ألف شيكل قبل عام 2023، يتأرجح سعره اليوم بين 11 و15 ألف شيكل، مما يجعله حكرًا على قلة قليلة جدًا من أثرياء غزة.
ملابس الصغار موازنة تعادل البقاء
وتستطرد سعاد واصفةً غياب الأجواء المنزلية المعتادة: «الهموم تملأ القلوب والبيوت القماشية، والغلاء التهم كل شيء. الأسواق تخلو من اللحوم والدواجن بأسعار مقبولة، وحتى رائحة كعك العيد التقليدي غائبة تمامًا عن أزقتنا». وعلى مقربة منها، يشير شعبان رضوان «42 عامًا»، النازح من خانيونس، إلى المفارقة القائمة؛ فالأسواق تعرض بعض الحلويات الجاهزة بأسعار نارية لا تناسب أحدًا، بينما تفتقر العائلات لغاز الطهو والدقيق لإعدادها بأنفسهم كما جرت العادة.
مقاومة اليأس بفرن الطين

وتتجسد هذه المأساة في المؤشرات الميدانية الصادرة عن الأمم المتحدة، والتي تؤكد أن ما يقارب 1.7 مليون إنسان، من أصل 2.2 مليون يمثلون سكان القطاع، ما زالوا مشردين داخل مخيمات نزوح تفتقر للحد الأدنى من البيئة الصحية والخدمية الملائمة نتيجة الدمار الشامل الذي حل ببيوتهم، في وقت تفرض فيه القوات العسكرية الإسرائيليةسيطرتها المباشرة على أكثر من نصف مساحة هذه البقعة الجغرافية الضيقة المحاصرة.