بث تجريبي — Test Broadcast
السبت، 7 نوفمبر 2026
عاجل
7 نوفمبر 01:18 م الإعلان عن إطلاق معرض فلسطين العقاري الإنشائي 2026 في أرض المعارض خلال الفترة من 11-14 تشرين الثاني - 7 نوفمبر 12:22 م المتحدث باسم الدفاع المدني بغزة : طواقمنا عاجزة عن التعامل مع آلاف نداءات الاستغاثة وسط شح الإمكانيات - 7 نوفمبر 12:20 م المتحدث باسم الدفاع المدني بغزة للجزيرة: غرق عشرات مراكز الإيواء وآلاف خيام النازحين نتيجة المنخفض الجوي - 7 نوفمبر 09:54 ص وزير الخارجية الإيراني: أكدت على ضرورة إقامة ترتيبات أمنية إقليمية دون تدخل من القوى غير الإقليمية - 7 نوفمبر 09:54 ص وزير الخارجية الإيراني: أكدت على الحق المشروع لدولتنا في الدفاع عن سيادتها وأمنها الوطني - 7 نوفمبر 09:53 ص وزير الخارجية الإيراني: أكدت على ضرورة تجنب التدخلات الخارجية المدمرة ومسؤولية دول المنطقة في منع تفاقم حالة عدم الاستقرار - 7 نوفمبر 09:53 ص وزير الخارجية الإيراني: أكدت على ضرورة احترام سيادة الدول ووقف العدوان والتهديد - 7 نوفمبر 09:53 ص وزير الخارجية الإيراني: ناقشنا وتبادلنا الآراء حول آخر التطورات الإقليمية والدولية وعواقب الإجراءات التي تثير التوتر من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل - 7 نوفمبر 09:52 ص وزير الخارجية الإيراني: أجريت خلال 48 ساعة الماضية محادثات هاتفية منفصلة مع 12 من نظرائي من دول عربية وإسلامية - 7 نوفمبر 09:52 ص فايننشال تايمز: الولايات المتحدة ستعمل على تقليل خسائرها فيما يتعلق بإيران، من خلال التفاوض على أفضل اتفاق ممكن يحفظ ماء الوجه - 7 نوفمبر 09:51 ص فايننشال تايمز: السياق السياسي الجديد الذي تشكل عقب الأداء الكارثي للحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي يجعل من تصعيد الحملة العسكرية ضد إيران أمرا أقل ترجيحا - 7 نوفمبر 09:51 ص فايننشال تايمز: أعد المخططون في وزارة الدفاع الأمريكية خيارات عسكرية ليضعوها أمام الرئيس الأمريكي للنظر فيها بشأن الحرب مع إيران - 7 نوفمبر 09:51 ص فايننشال تايمز: تعمل الولايات المتحدة حاليا على نقل حاملة طائرات ثالثة إلى منطقة الشرق الأوسط - 7 نوفمبر 09:33 ص الحرس الثوري: سنكشف عن مدينة صاروخية وبعض الإنجازات هذا الأسبوع بمناسبة أسبوع القوات الجوفضائية الإيرانية - 7 نوفمبر 09:32 ص الحرس الثوري: إذا شعرنا اليوم بأن أعداء الشعب الإيراني يريدون خلق تهديد فسنتعامل معه بقوة عبر عمليات غير متماثلة في أي مكان - 7 نوفمبر 09:31 ص الحرس الثوري: سيتم الكشف عن إنجازات استثنائية لقواتنا الجوفضائية اذا اندلعت الموجة الثالثة من المواجهة - 7 نوفمبر 09:31 ص الحرس الثوري: إذا أخطأ العدو في حساباته مجددا عليه أن يعلم أن الصفعات القادمة ستكون أشد قوة وستكبده خسائر لسنوات طويلة - 7 نوفمبر 09:30 ص الحرس الثوري: العدو الأمريكي والصهيوني بدأ بالفعل يدفع ثمن الحرب على المستوى السياسي والعسكري والاقتصادي - 7 نوفمبر 09:30 ص الحرس الثوري: سنجعل العدو يدرك أن أي اعتداء على إيران ستكون له عواقب وخيمة وثمن باهظ - 7 نوفمبر 09:29 ص الحرس الثوري: قواتنا لن تتوانى للحظة واحدة عن تنفيذ مهامها وأوامر المرشد وسنلحق بالعدو ضربات أكبر مما يتصوره الشعب - 7 نوفمبر 01:18 م الإعلان عن إطلاق معرض فلسطين العقاري الإنشائي 2026 في أرض المعارض خلال الفترة من 11-14 تشرين الثاني - 7 نوفمبر 12:22 م المتحدث باسم الدفاع المدني بغزة : طواقمنا عاجزة عن التعامل مع آلاف نداءات الاستغاثة وسط شح الإمكانيات - 7 نوفمبر 12:20 م المتحدث باسم الدفاع المدني بغزة للجزيرة: غرق عشرات مراكز الإيواء وآلاف خيام النازحين نتيجة المنخفض الجوي - 7 نوفمبر 09:54 ص وزير الخارجية الإيراني: أكدت على ضرورة إقامة ترتيبات أمنية إقليمية دون تدخل من القوى غير الإقليمية - 7 نوفمبر 09:54 ص وزير الخارجية الإيراني: أكدت على الحق المشروع لدولتنا في الدفاع عن سيادتها وأمنها الوطني - 7 نوفمبر 09:53 ص وزير الخارجية الإيراني: أكدت على ضرورة تجنب التدخلات الخارجية المدمرة ومسؤولية دول المنطقة في منع تفاقم حالة عدم الاستقرار - 7 نوفمبر 09:53 ص وزير الخارجية الإيراني: أكدت على ضرورة احترام سيادة الدول ووقف العدوان والتهديد - 7 نوفمبر 09:53 ص وزير الخارجية الإيراني: ناقشنا وتبادلنا الآراء حول آخر التطورات الإقليمية والدولية وعواقب الإجراءات التي تثير التوتر من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل - 7 نوفمبر 09:52 ص وزير الخارجية الإيراني: أجريت خلال 48 ساعة الماضية محادثات هاتفية منفصلة مع 12 من نظرائي من دول عربية وإسلامية - 7 نوفمبر 09:52 ص فايننشال تايمز: الولايات المتحدة ستعمل على تقليل خسائرها فيما يتعلق بإيران، من خلال التفاوض على أفضل اتفاق ممكن يحفظ ماء الوجه - 7 نوفمبر 09:51 ص فايننشال تايمز: السياق السياسي الجديد الذي تشكل عقب الأداء الكارثي للحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي يجعل من تصعيد الحملة العسكرية ضد إيران أمرا أقل ترجيحا - 7 نوفمبر 09:51 ص فايننشال تايمز: أعد المخططون في وزارة الدفاع الأمريكية خيارات عسكرية ليضعوها أمام الرئيس الأمريكي للنظر فيها بشأن الحرب مع إيران - 7 نوفمبر 09:51 ص فايننشال تايمز: تعمل الولايات المتحدة حاليا على نقل حاملة طائرات ثالثة إلى منطقة الشرق الأوسط - 7 نوفمبر 09:33 ص الحرس الثوري: سنكشف عن مدينة صاروخية وبعض الإنجازات هذا الأسبوع بمناسبة أسبوع القوات الجوفضائية الإيرانية - 7 نوفمبر 09:32 ص الحرس الثوري: إذا شعرنا اليوم بأن أعداء الشعب الإيراني يريدون خلق تهديد فسنتعامل معه بقوة عبر عمليات غير متماثلة في أي مكان - 7 نوفمبر 09:31 ص الحرس الثوري: سيتم الكشف عن إنجازات استثنائية لقواتنا الجوفضائية اذا اندلعت الموجة الثالثة من المواجهة - 7 نوفمبر 09:31 ص الحرس الثوري: إذا أخطأ العدو في حساباته مجددا عليه أن يعلم أن الصفعات القادمة ستكون أشد قوة وستكبده خسائر لسنوات طويلة - 7 نوفمبر 09:30 ص الحرس الثوري: العدو الأمريكي والصهيوني بدأ بالفعل يدفع ثمن الحرب على المستوى السياسي والعسكري والاقتصادي - 7 نوفمبر 09:30 ص الحرس الثوري: سنجعل العدو يدرك أن أي اعتداء على إيران ستكون له عواقب وخيمة وثمن باهظ - 7 نوفمبر 09:29 ص الحرس الثوري: قواتنا لن تتوانى للحظة واحدة عن تنفيذ مهامها وأوامر المرشد وسنلحق بالعدو ضربات أكبر مما يتصوره الشعب

القدس في مواجهة صراع المفاهيم

يونس العموري
يونس العموري كاتب ومحلل سياسي
171 مشاهدات
القدس في مواجهة صراع المفاهيم

في الصراعات الاستعمارية لا تبدأ الهزيمة عندما تسقط الأرض، بل عندما تسقط اللغة التي تدافع عنها... فالاحتلال لا يكتفي بمصادرة الجغرافيا، وإنما يعمل بصورة متواصلة على مصادرة المعاني والمفاهيم والمصطلحات، لأن السيطرة على الوعي تسبق دائما السيطرة النهائية على المكان، ومن يراقب المشهد الفلسطيني خلال العقود الثلاثة الماضية يدرك أن أخطر ما أنتجه مسار أوسلو لم يكن التنسيق الأمني أو تقليص المشروع الوطني أو تحويل السلطة إلى وظيفة إدارية تحت سقف الاحتلال، بل كان إعادة تشكيل الوعي السياسي الفلسطيني عبر منظومة كاملة من المصطلحات التي تسللت إلى الخطاب الرسمي حتى أصبحت تبدو وكأنها حقائق ثابتة لا تقبل النقاش.
في قلب هذه المعركة تقف القدس بوصفها الضحية الأكبر لحرب المفاهيم .. فالمدينة التي تعرضت للاحتلال والاستعمار والإلحاق القسري أصبحت أيضا ضحية خطاب سياسي فلسطيني أعاد إنتاج كثير من المسلمات التي أرادها الاحتلال وأرادتها منظومة التسوية... ومن بين أكثر الأمثلة وضوحا على ذلك الإصرار المستمر على استخدام مصطلح ( القدس الشرقية) باعتباره توصيفا طبيعيا وعاديا للجزء الذي احتل عام 1967.
والحقيقة أن هذا المصطلح ليس بريئا سياسيا كما يحاول البعض تصويره، بل يحمل في داخله اعترافا ضمنيا بفكرة تقسيم القدس إلى كيانين سياسيين منفصلين  ... قدس شرقية وقدس غربية، وكأن المدينة كانت في الأصل مدينتين منفصلتين ثم جرى البحث عن حدود بينهما.
هذا الاستخدام لا يعكس حقيقة القدس التاريخية ولا القانونية. فالقدس مدينة واحدة تعرضت للاحتلال على مرحلتين، الجزء الغربي منها وقع تحت الاحتلال الإسرائيلي عام 1948، والجزء الشرقي تعرض للاحتلال عام 1967. أما المدينة نفسها فلم تكن يوما كيانين سياسيين مستقلين حتى يجري الحديث عن ( قدسين) ... ولذلك فإن التعبير الأدق سياسيا ووطنيا وقانونيا هو ( شرقي القدس)  لا ( لقدس الشرقية )، لأن الأول يشير إلى جزء من مدينة واحدة، بينما الثاني يوحي بوجود مدينة مستقلة اسمها القدس الشرقية تقابلها مدينة أخرى اسمها القدس الغربية.
والأخطر من ذلك أن استخدام مصطلح ( القدس الشرقية ) لا يعكس فقط خللا لغويا، بل يكشف حجم التغلغل الذي أحدثه خطاب أوسلو في العقل السياسي الفلسطيني .. فمنذ أن جرى اختزال القضية الفلسطينية إلى مشروع دولة على حدود عام 1967، بدأت اللغة الوطنية تتعرض لعملية إعادة هندسة شاملة.. أصبح الجزء المحتل عام 1948 خارج دائرة التداول السياسي الجدي. وتحولت فلسطين إلى الضفة الغربية وقطاع غزة. واختزلت القدس إلى ذلك الجزء الذي احتل عام 1967. وكأن الاحتلال الذي وقع عام 1948 أصبح أمرا واقعا نهائيا لا يجوز الاقتراب منه أو مساءلته أو حتى تذكير الأجيال الجديدة به.
لقد نجحت مدرسة التسوية في تحويل ما كان يفترض أنه حد أدنى سياسي مؤقت إلى سقف وطني دائم. ومع مرور الوقت لم تعد المصطلحات تعبر عن الواقع، بل أصبحت تصنع واقعا جديدا. فحين يتحدث المسؤول الفلسطيني يوميا عن ( القدس الشرقية عاصمة الدولة الفلسطينية )  فإنه يكرس دون أن يشعر رواية مفادها أن ما يسمى بالقدس الغربية أصبح خارج أي نقاش وطني أو تاريخي أو قانوني... وهكذا يتحول الاحتلال الذي وقع عام 1948 من جريمة مستمرة إلى حقيقة مستقرة، بينما ينحصر النزاع كله في حدود ما جرى عام 1967.
لكن الوقائع القانونية والتاريخية لا تقول ذلك... فالقرار 181 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1947 لم يمنح السيادة على القدس لا للدولة العربية المقترحة ولا للدولة اليهودية المقترحة، بل نص على وضع خاص للمدينة باعتبارها كيانا منفصلا تحت نظام دولي خاص. وبغض النظر عن الموقف السياسي من القرار نفسه، فإن الحقيقة القانونية التي لا يمكن تجاهلها هي أن المجتمع الدولي لم يعترف أصلا بسيادة إسرائيل على القدس الغربية بعد احتلالها عام 1948، كما لم يعترف لاحقا بضم الجزء الشرقي بعد احتلاله عام 1967. وبالتالي فإن الحديث عن ( قدس غربية إسرائيلية )  و( قدس شرقية فلسطينية )  ليس سوى نتاج سياسي لمرحلة التسوية، وليس انعكاسا لحقيقة قانونية مستقرة.
ومن المفارقات التي تستحق التوقف عندها أن الخطاب الإسرائيلي الرسمي أكثر انسجاما مع مشروعه السياسي من الخطاب الفلسطيني الرسمي. فإسرائيل تتحدث باستمرار عن القدس الموحدة لأنها تريد فرض سيادتها على المدينة كلها... أما بعض الخطاب الفلسطيني الرسمي فإنه يتحدث بلغة توحي بوجود مدينتين منفصلتين، في الوقت الذي يفترض فيه أن يدافع عن وحدة المدينة ويرفض نتائج الاحتلال في شطريها. وهكذا يصبح الفلسطيني، من حيث لا يدري أو من حيث يدري أحيانا، شريكا في ترسيخ التقسيم المفاهيمي للقدس بينما يواصل الاحتلال فرض الوحدة القسرية للمدينة تحت سيادته.
إن من أبرز تجليات حرب المفاهيم أيضا شيوع استخدام مصطلح (قدس الأقداس) في الخطاب الإعلامي والثقافي العربي عند الإشارة إلى منطقة الحرم القدسي الشريف أو بعض أجزائه، رغم أن هذا المصطلح يرتبط في الأصل بالرواية الدينية اليهودية الخاصة بالهيكل المزعوم، ويشكل جزءا مركزيا من البنية المفاهيمية التي يستند إليها المشروع الإسرائيلي في تبرير مطالبه السيادية والدينية داخل الحرم القدسي الشريف. فحين يجري تداول هذا التعبير بصورة متكررة ومن دون تدقيق، فإنه لا يبقى مجرد توصيف لغوي محايد، بل يتحول تدريجيا إلى أداة لإعادة إنتاج السردية الإسرائيلية داخل الوعي العربي نفسه. وتكمن خطورة الأمر في أن المصطلحات لا تنقل الأفكار فحسب، بل تؤسس لها وتمنحها شرعية رمزية ومعرفية. لذلك فإن الإحالة المستمرة إلى الحرم القدسي الشريف بوصفه (قدس الأقداس) تسهم، ولو بصورة غير مقصودة، في ترسيخ فرضيات تاريخية ودينية ما تزال موضع جدل وخلاف، وتمنحها حضورا طبيعيا في الوعي العام، الأمر الذي قد ينعكس مستقبلا على طبيعة الإدراك السياسي والقانوني للمدينة ومقدساتها. ومن هنا تبرز أهمية التمسك بالمصطلحات العربية والإسلامية التاريخية الراسخة، وفي مقدمتها (المسجد الأقصى المبارك) و(الحرم القدسي الشريف)، باعتبارها تعبيرات تنسجم مع الرواية التاريخية العربية الفلسطينية وتحافظ على استقلاليتها المفاهيمية، بدلا من تبني مفردات نشأت في سياق سردية أخرى تسعى إلى تثبيت حقوق وادعاءات لم تحظ بإجماع تاريخي أو قانوني داخل أكثر بقاع القدس حساسية وأهمية.
إن المشكلة الحقيقية لا تكمن في كلمة هنا أو مصطلح هناك، بل في البنية الفكرية والسياسية التي أنتجت هذه اللغة. فالمصطلحات ليست مجرد أدوات وصف، وإنما هي انعكاس مباشر للرؤية السياسية. ومن يتبنى مفردات أوسلو لا يستطيع في النهاية إلا أن يرى القدس بعين أوسلو، وأن يرى فلسطين بعين أوسلو، وأن يقيس الحقوق الوطنية كلها بمعيار ما تسمح به عملية التسوية لا بمعيار الحق التاريخي والقانوني.
غير أن إدراك خطورة حرب المفاهيم لا يكفي بحد ذاته ما لم يتحول إلى برنامج وطني شامل لإعادة بناء الوعي الفلسطيني والعربي تجاه القدس. فالمعركة الدائرة اليوم ليست مجرد مواجهة على الأرض أو في أروقة السياسة الدولية، وإنما هي أيضا مواجهة على المعنى والذاكرة والرواية. ولذلك فإن المطلوب فلسطينيا، على المستويات الرسمية والحزبية والشعبية كافة، أن تصبح القدس مجددا مركز الثقل في الخطاب الوطني، لا باعتبارها ملفا تفاوضيا من بين ملفات عديدة، بل بوصفها التعبير الأكثر اكتمالا عن القضية الفلسطينية بأبعادها التاريخية والوطنية والحضارية....  وعلى المستوى الرسمي، تبرز الحاجة إلى مراجعة شاملة للخطاب السياسي والإعلامي والتعليمي، بما يعيد الاعتبار للمفاهيم الوطنية التي تعرضت للتهميش خلال عقود التسوية. فالمعركة على القدس لا يمكن أن تخاض بلغة تتبنى، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، النتائج التي فرضها الاحتلال. ومن هنا فإن إعادة بناء المعجم السياسي الفلسطيني تصبح جزءا لا يتجزأ من مشروع التحرر الوطني، بحيث تستعيد المصطلحات ارتباطها بالحق التاريخي والقانوني، لا بالحدود التي رسمتها موازين القوى أو فرضتها اتفاقيات مؤقتة تحولت مع الزمن إلى مرجعيات شبه دائمة...  أما على المستوى الحزبي والفصائلي، فإن المسؤولية تقتضي تجاوز الانقسامات السياسية الضيقة في ما يتعلق بالقدس تحديدا، والعمل على إنتاج خطاب وطني جامع يرسخ وحدة المدينة ووحدة الرواية المرتبطة بها. فالقدس كانت دائما نقطة الالتقاء الكبرى في الوعي الفلسطيني والعربي، وأي مشروع لإعادتها إلى صدارة المشهد ينبغي أن ينطلق من اعتبارها قاسما وطنيا مشتركا يتجاوز الاصطفافات التنظيمية والحسابات الفئوية الآنية... وفي المستوى الشعبي والثقافي، تبدو الحاجة أكثر إلحاحا إلى إطلاق حالة مجتمعية واسعة تستهدف استعادة حضور القدس في الوعي اليومي للأجيال الجديدة. فحرب المدركات التي يخوضها الاحتلال تقوم أساسا على إضعاف الارتباط الرمزي والمعرفي بالمدينة، وعلى تحويلها تدريجيا إلى عنوان سياسي مجرد أو قضية تخص سكانها المباشرين فقط. ولذلك فإن إعادة دمج القدس في المناهج التعليمية، والإنتاج الثقافي، والإعلام الوطني، والنشاطات الشبابية، والفضاء الرقمي، تمثل ضرورة استراتيجية لا تقل أهمية عن أي شكل آخر من أشكال المواجهة...  كما أن البعد العروبي للقضية يستدعي جهدا فلسطينيا منظما لإعادة تثبيت القدس في الوجدان العربي باعتبارها قضية تحرر عربية وإنسانية، لا مجرد شأن فلسطيني داخلي. 
فالاحتلال سعى طوال عقود إلى عزل المدينة عن امتدادها العربي والإسلامي، بينما يفترض بالمشروع الوطني الفلسطيني أن يعمل على إعادة وصل القدس بعمقها الحضاري والتاريخي، وأن يعيد إنتاج خطاب يؤكد أن الدفاع عنها هو دفاع عن هوية المنطقة وذاكرتها الجماعية ومكانتها الحضارية... 
وفي ظل تصاعد صراع المفاهيم وحرب المدركات، تصبح استعادة الرواية الوطنية مهمة يومية تتجاوز النخب السياسية لتشمل المجتمع بأكمله. فالرواية لا تحيا بالوثائق القانونية وحدها، وإنما تحيا أيضا باللغة التي يتداولها الناس، وبالمفاهيم التي تتشكل في وعيهم، وبالصور الذهنية التي تنتقل من جيل إلى جيل. ومن هنا فإن حماية القدس تبدأ من حماية معناها، كما أن تحرير الوعي من آثار خطاب التسوية يمثل شرطا أساسيا لأي مشروع يسعى إلى تحرير الأرض أو الدفاع عن الحقوق الوطنية....
لقد آن الأوان لإعادة الاعتبار إلى اللغة الوطنية الفلسطينية باعتبارها جزءا من معركة التحرر. فالقدس ليست  ( شرقية )  و( غربية )  بالمعنى السياسي الذي جرى الترويج له خلال العقود الماضية، وإنما مدينة واحدة احتل نصفها عام 1948 واحتل نصفها الآخر عام 1967. والاعتراف بهذه الحقيقة ليس مجرد تمرين لغوي، بل موقف سياسي يرفض تحويل نتائج الاحتلال إلى حقائق دائمة، ويرفض اختزال فلسطين إلى ما تبقى منها بعد كل جولة من جولات التنازل... 
إن أخطر ما يفعله الخطاب الرسمي الفلسطيني اليوم أنه لا يكتفي بالتعايش مع الأمر الواقع الذي فرضه الاحتلال، بل يساهم أحيانا في إعادة إنتاجه لغويا وسياسيا. فحين تصبح مفردات التسوية هي المرجعية الوحيدة للفهم والتعبير، تتحول القضية من قضية تحرر وطني إلى نزاع حدودي، ويتحول الاحتلال إلى خلاف على خطوط ترسيم، وتتحول القدس من مدينة محتلة بكاملها إلى ملف تفاوضي يتعلق بجزء منها فقط.
لهذا فإن معركة القدس تبدأ من استعادة الرواية، واستعادة الرواية تبدأ من استعادة اللغة. فالمدينة التي احتل غربها عام 1948 وشرقها عام 1967 ليست بحاجة إلى مصطلحات تكرس تجزئتها، بل إلى خطاب سياسي يعيد التأكيد على وحدتها التاريخية والقانونية والوطنية. وما لم يتحرر العقل السياسي الفلسطيني من ميراث أوسلو ومفاهيمه ومصطلحاته، فإن معركة التحرر ستبقى أسيرة اللغة التي صاغها خصومها، وستبقى الرواية الوطنية محاصرة داخل القفص المفاهيمي الذي بناه الاحتلال ورعته مدرسة التسوية على امتداد أكثر من ثلاثة عقود.

المقال يعبر عن رأي كاتبه فقط،

مشاركة

مقالات ذات صلة