الضفة لا تأكل الفستق
تبدو الضفة من بعيد كأنها أقل وجعًا، لا دخان كثيف يملأ السماء طوال الوقت، ولا أبنية كاملة تختفي في لحظة واحدة، ولا بحر يبتلع صرخات الناس، تبدو لمن يراها من شاشة صغيرة كأنها ما زالت قادرة على ترتيب صباحها، فتح دكاكينها، إشعال قهوتها، والذهاب إلى أعمالها كأي مكان عادي في هذا العالم.
لكن الضفة لا تعيش حياة عادية، في الضفة، قد يبدأ النهار بحاجز، وينتهي بحاجز، وبين الحاجزين عمر كامل من القلق، طريق قصير يتحول إلى امتحان طويل، وموعد طبي يصبح مغامرة، وزيارة عائلية تحتاج إلى حسابات تشبه خطط الهروب، لا أحد يعرف كم ساعة سيستغرق الطريق، ولا أحد يضمن أن يعود من خرج كما خرج.
في الضفة، الليل ليس ليلًا تمامًا، هناك دائمًا احتمال أن ينكسر الباب فجأة، أن تصعد أصوات الجنود على الدرج، أن تستيقظ عائلة كاملة على اقتحام، أو خبر اعتقال، أو رصاصة، أو اسم جديد يضاف إلى قائمة الخوف.
وفي الضفة أيضًا، للمستوطنين حربهم المفتوحة، حرب لا تحتاج إلى إعلان رسمي يكفي شارع جانبي، موسم زيتون، قرية بعيدة، سيارة وحيدة في طريق معتم، حتى يصبح الفلسطيني هدفًا محتملًا، هنا لا ينتظر الناس الأخبار فقط، هم يعيشون داخل الخبر، ويمرّون كل يوم من تحته.
وفي شمال الضفة، لم تعد المخيمات تشبه المخيمات التي عرفناها، مخيم جنين، ومخيم طولكرم، ومخيم نور شمس، أسماء كانت تضج بالحياة، فإذا بها اليوم تردد صدى الغياب، آلاف العائلات أصبحت نازحة داخل وطنها، تبحث عن سرير مؤقت، وعن مدرسة مؤقتة، وعن شعور مؤقت بالأمان، مؤلم أن يكتشف الفلسطيني أن كلمة نزوح لم تعد تخص كتب التاريخ، بل صارت عنوانًا ليومه العادي.
أما الاقتصاد، فقد صار وجعًا آخر لا يظهر في الصور، موظفون ينتظرون رواتب ناقصة أو مؤجلة، بيوت تعلّق مصاريفها على أمل لا يأتي، عمال مُنعوا من الوصول إلى أعمالهم في الداخل بعدما كانت أجورهم تسند عائلات كاملة، ومحال صغيرة تحاول النجاة من يوم إلى يوم. حتى تفاصيل الرزق البسيطة لم تُترك وشأنها، كراج تصليح، ورشة، محل، طريق، تصريح، كل شيء قابل لأن يتحول إلى أداة تضييق.
في الضفة، لم يعد الفقر وحده هو الثقيل، بل الإحساس بأنك محاصر حتى في محاولتك أن تعمل، أن تفتح باب رزقك وأنت لا تعرف أي قرار سيغلقه غدًا، أن تعالج الناس مجانًا، أو تساعد فقيرًا، أو تجمع تبرعًا لبيت محتاج، فتكتشف أن الخير نفسه صار تهمة.
ومع ذلك، قد ترى في الضفة عرسًا، قد تسمع ضحكة في مقهى، قد تجد شابًا يتابع مباراة، أو طفلًا يلوّح بعلم، أو ناسًا يحاولون أن يصنعوا لحظة فرح صغيرة في يوم ثقيل، وهذه اللحظات لا تعني أن الضفة بخير، لا تعني أنها بعيدة عن الحرب، ولا تعني أن أهلها يجلسون في رخاء، يقشرون الفستق، ويتابعون العالم من مقاعد مريحة.
الضفة لا تأكل الفستق، الضفة تقشّر أيامها بصعوبة، تقشّر الحاجز عن الطريق، والخوف عن الليل، والراتب الناقص عن آخر الشهر، والاقتحام عن نوم الأطفال، والمستوطن عن حقول الزيتون، تقشّر كل يوم طبقة جديدة من القلق، ثم تحاول أن تبتسم قليلًا كي لا تصير حجرًا.
لذلك حين تفرح الضفة، فهي لا تعلن نجاتها، هي فقط تلتقط نفسًا قصيرًا بين خنقين، وحين تضحك، فهي لا تنكر وجع غيرها، ولا تقارن نفسها بأحد، ولا تقول إن مصيبتها أكبر أو أصغر. هي تعرف تمامًا أن الجرح الفلسطيني واسع، وأن لكل مدينة طريقتها في النزف.
هناك أماكن يراها العالم من خلال الركام، فيصدق ألمها فورًاـ وهناك أماكن يراها من خلال شارع ما زال واقفًا، فيظن أنها بخير، لكن الشارع الواقف لا يعني قلبًا واقفًا، والمقهى المفتوح لا يعني حياة مفتوحة، والضحكة العابرة لا تعني أن الحرب لم تمر من هنا.
الضفة لا تأكل الفستق، هي فقط تحاول، وسط كل هذا، أن تتذكر أنها ما زالت حيّة.