71 مليار دولار تكلفة إعمار غزة
غزة - أرض الإخبارية
يواجه قطاع غزة واقعاً مأساوياً مع دخول الحرب عامها الثالث، حيث تشير التقديرات الأممية والدولية إلى أن فاتورة إعادة الإعمار تجاوزت حاجز 71 مليار دولار، ولا تقتصر هذه الأرقام على الحجر والشجر، بل تمتد لتشمل فاتورة إنسانية باهظة يدفعها السكان الذين يعيشون تحت وطأة التهجير المستمر ونقص الاحتياجات الأساسية.
أكدت مصادر ميدانية أن مئات الآلاف من المهجرين لا يزالون خارج منازلهم، حيث يقطنون في خيام متهالكة أو مبانٍ آيلة للسقوط تفتقر لأدنى مقومات الحياة، وتشير التقارير إلى وجود أكثر من 2,300 مبنى غير آمن يتطلب الهدم الفوري، في حين أصبحت مناطق واسعة في القطاع غير صالحة للسكن البشري بصفة نهائية.
على الصعيد البشري، سجلت وزارة الصحة في غزة حصيلة صادمة للضحايا بلغت 74,243 شهيداً حتى مطلع أكتوبر 2026، من بينهم أكثر من 1,100 طفل رضيع، وتوضح البيانات أن النساء والأطفال وكبار السن يشكلون أكثر من 52% من إجمالي الشهداء، مما يعكس حجم الاستهداف المباشر للفئات الأكثر ضعفاً.
أصيب خلال سنوات الحرب الثلاث ما يزيد عن 175 ألف فلسطيني، يعانون في ظل منظومة صحية منهارة تماماً، فمن أصل 36 مستشفى في القطاع، لا يعمل سوى 19 مستشفى وبشكل جزئي فقط، نتيجة النقص الحاد في الوقود والزيوت المعدنية وقطع الغيار اللازمة للمولدات الكهربائية وسيارات الإسعاف.
يعاني قطاع التعليم من شلل شبه كامل، حيث تضررت نحو 98% من المدارس في غزة نتيجة القصف المباشر أو تحويلها إلى مراكز إيواء للنازحين، وتفيد بيانات اليونيسيف بأن 93% من هذه المنشآت التعليمية تحتاج إلى عمليات ترميم كبرى أو إعادة بناء شاملة لتمكين الأطفال من العودة لمقاعد الدراسة.
اقتصادياً، انكمش الناتج المحلي الإجمالي في قطاع غزة بنسبة هائلة وصلت إلى 83% خلال عام 2024، بينما قفزت معدلات التضخم لتتجاوز 200%، هذا الانهيار أدى إلى فقدان القطاع الخاص لقدرته على العمل، وتوقف مصانع الإنتاج والورش الحرفية، مما جعل السكان يعتمدون كلياً على المساعدات الخارجية الشحيحة.
أفاد محمد صالح، المنسق العام لشبكة المنظمات غير الحكومية، بأن قوات الاحتلال تسيطر حالياً على نحو 70% من مساحة القطاع، مما حشر السكان في مساحة لا تتجاوز 30%، وأوضح أن عمليات النزوح القسري لا تزال مستمرة نتيجة الاستهداف الممنهج للأحياء السكنية التي كان يُعتقد أنها آمنة.
تعتبر أزمة المياه والصرف الصحي معركة يومية للسكان، حيث تضررت الشبكات الرئيسية بشكل يعجز معه المواطنون عن الوصول لمياه نظيفة، وتتزايد المخاوف مع حلول فصل الشتاء، إذ يعيش نحو 279 ألف نازح في مواقع معرضة للفيضانات، وسط انعدام البنية التحتية القادرة على تصريف مياه الأمطار.
تشير المصادر إلى أن المساعدات التي تدخل عبر معبر كرم أبو سالم لا تغطي سوى 25% من الاحتياجات الحقيقية للسكان، ورغم أن الاتفاقيات تنص على دخول 600 شاحنة يومياً، إلا أن الاحتلال لا يسمح بمرور أكثر من 200 شاحنة، يخصص جزء كبير منها للقطاع الخاص لا للمساعدات الإغاثية.
يعتمد نحو 90% من سكان غزة حالياً على المساعدات الإنسانية العينية للبقاء على قيد الحياة، وهي مساعدات تغطي نصف الاحتياجات الدنيا فقط، وقد أدى إغلاق المعابر والقيود المفروضة على حركة البضائع إلى ارتفاع جنوني في الأسعار وانهيار كامل للقدرة الشرائية لدى العائلات الفلسطينية.
في الجانب الصحي، تشكل الأمراض المعدية تهديداً متزايداً، حيث سجلت الاستشارات الطبية نسبة 19% للأمراض الوبائية في أسبوع واحد فقط، وتنتشر الخيام في الشوارع وبجوار تجمعات مياه الصرف الصحي، مما يخلق بيئة خصبة لانتقال العدوى بين المهجرين الذين يفتقرون للرعاية الصحية الكافية.
لا تزال حركة الأفراد عبر المعابر محدودة للغاية، حيث جرى إجلاء 12,400 مريض فقط منذ أكتوبر 2023 من بين عشرات الآلاف الذين يحتاجون لعلاج متخصص في الخارج، ويواجه الجرحى والمصابون بأمراض مزمنة خطراً حقيقياً على حياتهم بسبب نقص الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية.
يمثل الركام تحدياً لوجستياً هائلاً، حيث تتراكم أطنان من الحطام في الشوارع وبين المنازل المهدمة دون قدرة على إزالتها بسبب نقص المعدات، هذا الركام لا يعيق الحركة فحسب، بل يمنع أيضاً نصب خيام جديدة للسكان الذين يفقدون مآويهم يومياً جراء التهديدات الإسرائيلية المستمرة لهدم المباني السكنية.
إن معركة إعادة الإعمار القادمة لن تقتصر على البناء، بل ستكون معركة لتحويل غزة من اقتصاد مستهلك للمساعدات إلى اقتصاد منتج، ويتطلب ذلك إعادة تشغيل القطاع الزراعي والصناعي وتوفير مصادر دخل مستدامة للسكان، لضمان حياة كريمة بعيدة عن طوابير الإغاثة التي فرضتها سنوات الحرب الطويلة.