19 مقعداً عربياً... إنجاز انتخابي في مواجهة عقلية الإقصاء
لم تكن نتائج الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة أرقام أضيفت إلى سجل الانتخابات البرلمانية، بل حملت دلالات سياسية تستحق التوقف عندها، وفي مقدمتها حصول القائمتين العربيتين على تسعة عشر مقعداً في الكنيست، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ التمثيل البرلماني العربي داخل إسرائيل. وقد اكتسب هذا الإنجاز أهمية إضافية مع وصول شخصيتين يهوديتين إلى الكنيست عبر القوائم العربية، بما يعكس أن هذه القوائم لم تعد إطاراً انتخابياً مغلقاً على العرب وحدهم، وإنما أصبحت قادرة على استقطاب أصوات وشخصيات من خارج المجتمع العربي أيضاً. لكنني، رغم أهمية هذا الإنجاز، لا أنظر إليه باعتباره تحولاً مضمون الاستمرار، بل أخشى أن يتحول إلى مناسبة تدفع قطاعات واسعة من المؤسسة الأمنية والسياسية الإسرائيلية إلى التفكير في كيفية الحد من تأثيره، وربما وضع قواعد وإجراءات انتخابية جديدة تقلص فرص تكراره في الانتخابات القادمة.
فالمشكلة في تقديري أعمق من الخلاف بين اليمين واليسار، فالمجتمع السياسي الإسرائيلي، بمختلف أطيافه، يتحرك داخل مساحة واسعة من الإجماع القومي والأمني الذي يجعل الفوارق بين اليمين واليسار أقل اتساعاً مما توحي به الخريطة الحزبية. وقد يكون هناك يسار إسرائيلي يختلف مع اليمين في قضايا الحكم والدين والاقتصاد وبعض تفاصيل إدارة الصراع، لكنه يظل في كثير من القضايا محكوماً بسقف الرؤية الصهيونية للدولة وطبيعتها وهويتها. من هنا تبدو المفارقة واضحة: يستطيع المواطن العربي أن يشارك في الانتخابات، وأن يمنح صوته لقائمة، وأن يصل ممثلوه إلى البرلمان، لكن الاعتراف به بوصفه ناخباً لا يعني بالضرورة الاعتراف به بوصفه شريكاً في القرار. فالصوت العربي مقبول عندما يُحتسب في صناديق الاقتراع، لكنه يصبح موضع اعتراض عندما يتحول إلى قوة سياسية مؤثرة في تشكيل الحكومة أو تحديد اتجاهاتها.
لقد كشفت نتائج الانتخابات هذه المفارقة بوضوح. فالمقاعد التسعة عشر جعلت القوائم العربية رقماً أساسياً في الحسابات البرلمانية، وأظهرت أن تجاهلها لم يعد ممكناً من الناحية العددية، لكن مواقف عدد من قادة أحزاب المعارضة الإسرائيلية، الذين استبعدوا مسبقاً التعاون معها أو الاستناد إلى دعمها لتشكيل الحكومة، كشفت حدود هذا الاعتراف. وهكذا يمكن أن يكون الصوت العربي مطلوباً لإكمال الحسابات الانتخابية، لكنه غير مرغوب فيه عندما يتعلق الأمر بالشراكة السياسية الفعلية. ولا أعتقد أن المشاركة العربية المرتفعة، التي قُدّرت بنحو 80%، يمكن تفسيرها باعتبارها ثمرة عمل تنظيمي وحزبي ناجح فقط. مع تقديري لأهمية التنظيم والتحالفات والجهود التي بذلتها الأحزاب العربية، لكنني أميل إلى قراءة هذه المشاركة باعتبارها، هبّة وفزعة تفريغيه عبّر من خلالها المجتمع العربي عن غضبه واحتقانه مما يتعرض له من سياسات وممارسات يومية.
لقد تراكم الغضب في البلدات العربية، وفي القرى والتجمعات البدوية في النقب، مع استمرار هدم المنازل ومصادرة الحقوق المرتبطة بالأرض والمسكن، وتفاقم الجريمة والعنف، والشعور المتزايد بأن مؤسسات الدولة لا توفر الحماية الكافية للمواطنين العرب. كما ساهمت سياسات إيتمار بن غفير وخطابه وممارساته، وما ارتبط بها من تضييق وملاحقات وتحريض، في تعميق هذا الشعور. وبذلك لم يكن التصويت بالنسبة إلى قطاعات من الناخبين العرب مجرد اختيار بين برامج حزبية، بل كان أيضاً وسيلة للتعبير عن الرفض والغضب وإيصال رسالة سياسية إلى المؤسسة الحاكمة. وهنا تكمن نقطة مهمة: الهبّة الانتخابية لا تعني بالضرورة نشوء تحول سياسي مستقر، ولا تعني أن المشاركة المرتفعة ستتكرر تلقائياً في الانتخابات القادمة. فالغضب قد يحشد الناس في لحظة معينة، لكنه لا يتحول وحده إلى قوة سياسية دائمة ما لم يجد إطاراً قادراً على تنظيمه، والمحافظة على وحدته، وتحويله إلى مشروع سياسي واجتماعي مستمر.
كما أن اختلاف الأولويات بين الأحزاب العربية، والتباينات في مواقفها من القضايا الداخلية والإسرائيلية والفلسطينية، قد يفتح المجال مجدداً أمام تشتت الأصوات وتراجع التمثيل. والأخطر من ذلك أن هذا الإنجاز قد يدفع إلى مراجعة قواعد اللعبة الانتخابية ذاتها. فهناك أكثر من مسار يمكن أن يُستخدم للحد من تأثيره، بدءاً من إعادة فتح النقاش حول نسبة الحسم، أو تعديل قواعد التمثيل والتحالفات، مروراً بتشديد الرقابة والإجراءات المرتبطة بالانتخابات في البلدات العربية، وصولاً إلى توظيف اتهامات التدخل والتلاعب والتشكيك في شرعية المشاركة العربية لتبرير إجراءات إضافية. وقد ظهرت بالفعل بعد الانتخابات اتهامات سياسية من جانب نتنياهو وحزب الليكود بشأن نزاهة التصويت في المناطق العربية، في حين أكدت لجنة الانتخابات المركزية أن التحقيقات المتعلقة بالادعاءات لن تؤثر في النتائج النهائية، وأوضحت المؤسسة الأمنية أن التحقيق لا يبرر توجيه الاتهام إلى قطاع سكاني بأكمله.
ولعل المفارقة الأكثر إثارة للسخرية أن نتائج الانتخابات أضافت مصطلحاً جديداً إلى القاموس السياسي لنتنياهو هو "سرقة الانتخابات"، وكأن الاحتكام إلى صناديق الاقتراع يصبح موضع شك عندما تأتي نتائجها على غير ما تشتهيه الحسابات السياسية. وهنا التجربة تفرض الانتباه إلى الكيفية التي يمكن أن تتحول بها المخاوف السياسية إلى أدوات قانونية وإدارية تضيق المجال أمام التمثيل العربي. فحين يصبح حجم المشاركة العربية مؤثراً في موازين القوى، فإن التحرك داخل بعض مراكز القرار لن يقتصر على كيفية التعامل مع هذه النتيجة، بل قد يمتد إلى كيفية منع تكرارها. إن وصول تسعة عشر نائباً عبر القوائم العربية، يمثل تطوراً سياسياً لافتاً، لكنه لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره انتصاراً نهائياً أو دليلاً على تغير عميق في بنية المجتمع الإسرائيلي. فالاختبار الحقيقي لا يكمن في عدد المقاعد وحده، بل في قدرة أصحابها على تحويل هذا التمثيل إلى تأثير سياسي، وفي استعداد الأحزاب الإسرائيلية الأخرى للتعامل مع النواب العرب باعتبارهم شركاء متساوين في المواطنة والقرار، لا مجرد كتلة انتخابية يُحسب وزنها عند الحاجة ثم يُستبعد دورها عند توزيع السلطة.
وفي تقديري، فإن أخطر ما يمكن أن يواجه هذا الإنجاز ليس فقط محاولات تقليص التمثيل العربي من خلال التشريعات والإجراءات، بل أيضاً الرهان على أن تكون هذه المشاركة موجة غضب عابرة تنحسر مع مرور الوقت. فالإنجاز الذي تحقق يحتاج إلى ما هو أبعد من الاحتفال به؛ يحتاج إلى وعي سياسي يحافظ على المشاركة، وإلى قدرة على إدارة الاختلافات، وإلى عمل منظم يربط بين الصندوق الانتخابي وقضايا الناس اليومية وحقوقهم المدنية والسياسية. لقد قالت صناديق الاقتراع إن المجتمع العربي قادر على أن يكون رقماً مؤثراً في المعادلة الإسرائيلية. لكن الذي ستكشفه المرحلة المقبلة هو ما إذا كانت إسرائيل مستعدة للتعامل مع هذا الرقم بوصفه شريكاً سياسياً، أم أنها ستسعى إلى إبقائه مجرد صوت انتخابي مسموح له بالمشاركة، وممنوع عليه أن يشارك فعلياً في صناعة القرار. فالفارق كبير بين أن تعترف الدولة بحق المواطن العربي في التصويت، وأن تعترف بحقه في أن يكون شريكاً في تقرير مستقبلها.